روبورتاجات وتحقيقات

أول ماي 1962 باين اكر:”تشرنوبيل الأولى”

بمناسبة الذكرى 57 للحادث النووي " بريل"

في مثل هذا اليوم من عام 1962، قام المستدمر الفرنسي بتفجير قنبلته الذرية الباطنية الثانية “بريل” بجبل تاوريرت تان افلا باين اكر.

فبعد مرور 57 عامًا، لا يزال الإرث المسموم الثقيل على الجزائر، من النفايات المشعة للحادث النووي”بيريل”،

يشكل خطراً على صحة السكان والبيئة في هذه المنطقة بحيث تجرم فرنسا المسئولة الأولى على هذا الوضع الكارثي!

كما هو معلوم، فان فرنسا الاستعمارية بعد القيام بتفجيراتها النووية السطحية الأربعة بحمودية – رقان والتي كانت ملوثة للغاية لكل من الصحراء الجزائرية وإفريقيا وحتى جنوب أوروبا،

حولت برنامجها النووي إلى التفجيرات الباطنية بجبل تاوريريت تا افلا بمنطقة إين أكر.

في الواقع ، فإن الوضع السياسي العالمي المتمثل في تجميد التجارب النووية الجوية للاتحاد السوفيتي سابقا والولايات المتحدة الامريكية من 1959 إلى 1961 واحتجاجات بعض الدول الأفريقية، بما في ذلك نيجيريا،

ضد التفجيرات النووية الفرنسية الجوية التي لوثت القارة الأفريقية، الشيء الذي اجبر فرنسا الاستعمارية إلى الاتجاه نحو التفجيرات النووية تحت الأرض التي تعتبر أكثر أمنا واقل تلوثا.

في هذا الإطار تم اختيار جبل تاوريرت تان افلا بمنطقة اين اكر بالهقار وذلك بسبب خصائصها الهيدروجيولوجية، رغم أن منطقة الهقار تحتوي على أثار عصور ما قبل التاريخ تعود إلى 8.000 سنة قبل الميلاد.؟.

يتكون جبل تاوريرت تان افلا من كتلة صخرية من الجرانيت قطرها 5000 م وسمكها 3700م.

ولقد تم به تنفيذ 13 تفجير نووي داخل أنفاق (800 م – 1300م) ما بين 07 نوفمبر 1961 و 16 فيفري 1966.

حفرت هذه الأنفاق أفقيا وتنتهي على شكل حلزوني. من اجل ضمان احتواء النشاط الإشعاعي، حيث تم حساب الشكل الحلزوني على أساس أن يتم غلقه على اثر موجة الصدمة الناتجة عن التفجير النووي وذلك قبل وصول الحمم البركانية ومنعها من الخروج.

للعلم لقد شارك 14.000 مدني وعسكري فرنسي في التفجيرات النووية الباطنية بإين أكر، من بينهم 2.000 كانوا دائمين.

كما شارك 10.000 مدني وعسكري فرنسي في التفجيرات النووية السطحية بحمودية برقان.

لكن عدد العمال الجزائريين الذين شاركوا في البرنامج النووي الفرنسي في الصحراء الجزائرية لا يعرف على الإطلاق حتى الآن. “سري-دفاع” يفرض ذلك؟

الحوادث النووية المعروفة أدت بعض التفجيرات النووية في العالم إلى حوادث نووية متفاوتة.

الخطورة كما زرعت الطاقة النووية السلمية أيضا الرعب من خلال الحوادث المختلفة في محطات الطاقة النووية منها على وجه الخصوص كارثة تشيرنوبيل في 26 أفريل 1986 و كارثة فوكوشيما في 11 مارس 2011 يعتبر كلا الحادثين في قمة الكوارث النووية.

حيث بلغت شدة حادث محطة فوكوشيما المستوى سبع مثل حادث تشيرنوبيل في الجدول الدولي للحوادث النووية.

هذا السلم الدولي (INES) (International Nuclear Event Scale) هو الذي تقاس به الأحداث والحوادث النووية وفقًا لثمانية مستويات من الخطورة مصنفة من 0 إلى 7.

هناك بعض الحوادث تكون تحت حكم سري- الدفاع لان ظروف وقوعها وخطورتها ليست معروفة بدقة مثل حالة الحادث النووي “بريل”؟

على الرغم من عدم تصنيف هذا الحادث النووي على سلم المقياس الدولي للحوادث النووية (INES)،

فإنه لا يزال يعتبر حادث نووي فريد من نوعه في ميدان التفجيرات النووية الباطنية؟؟؟

سلم تصنيف الأحداث و الحوادث النووية
حسب ثمانية مستويات للخطورة من 0 إلى 7

إن النجاح المتوقع من التفجيرات الباطنية قد باء بالفشل. حيث تُقر وزارة الدفاع الفرنسية، في تقرير لها بأن أربعة تفجيرات باطنية (“بريل”، “اميتيست”، “روبي” و”جاد”) كانت بها حوادث متفاوتة الخطورة من بين التفجيرات التي أجريت في جبل تان افلا بان اكر.

هذه التفجيرات لم تكن كما كان متوقعاً أي محتواة تماما داخل الجبل كما تجدر الإشارة إلى أن من بين الـثلاثة عشر تفجير نووي باطني كانت اثني عشر منها فاشلة، حيث أسفرت هذه الحوادث النووية على تدفق حمم بركانية تحتوي على نظائر مشعة غازية ومتطايرة.

تسببت هذه التسريبات الإشعاعية في تعرض خطير من حيث الصحة للمستخدمين فضلا عن تلوث البيئة القريبة والبعيدة.

لقد أسفرت كذلك هذه الحوادث النووية المدونة تشتيت كمية كبيرة من البلوتونيوم الذي نتج عنه تلوث للأفراد والتربة.

نذكر منها فيما يلي الحادث الأكثر خطورة في تاريخ التفجيرات النووية الباطنية.

سير عمليات التفجير النووي الباطني الثاني “بريل”

كان الهدف من التفجير النووي “بريل” هو تجربة قنبلة طاقتها تساوي 150 كط ( أي عشرة أضعاف قوة قنبلة هيروشيما) لتسليح طائرة ميراج IV. لقد تم تجنيد إمكانيات جوية كبيرة، وخاصة طائرات الهليكوبتر، لإجراء القياسات من شأنها أن تقلل من حجم وحدات القياس الأرضية. اتخذت كل الإجراءات التي تضمن سلامة الموظفين العاملين في التفجيرات والسكان المحليين، وخاصة فرض بعض القيود المرورية، مع أقصى قدر من التكتم.

وقع التفجير النووي “بريل” في النفق E2 في أول ماي 1962 على الساعة العشرة. الغرفة التي تم فيها تفجير القنبلة تقع في أخر النفق طوله 1.300 م، تم حفره أفقيا في الجبل. حيث يقدر سمك الجرانيت فوق الغرفة بــ 500 م.

شارك نحو 2000 شخص في انجاز تفجير “بريل” وكان من بين الحضور بيير ميسمير وزير الجيوش وغاسطون بالوسكي وزير البحث العلمي. ووفقا لتقديرات فرنسية في ذلك الوقت، فان عدد السكان المستقرين الذين يعيشون على بعد 100 كم حول جبل تاوريرت تان افلا لا يتجاوز 2000 نسمة، وهذا دون حساب السكان الرحل!

عند تنفيذ تفجير “بريل” كان غلق النفق في وقت متأخر حيث اهتز الجبل في كل الاتجاهات، وفجأة تغير لونه وغطته سحب الغبار التي ارتفعت في السماء.

إذا كان الجبل قد قاوم فان النفق قد استسلم. حيث تم خروج جزء من النشاط الإشعاعي من النفق على شكل حمم بركانية تقدر بحوالي 700م3، قد تدفقت على بعد 400 م والتي تجمدت على أرضية النفق،

فضلا عن المواد الغازية التي شكلت سحابة في السماء في أقل من 10 دقيقة، الشيء الذي يتطابق مع سرعة صعود سحابة تفجير نووي جوي.

حيث سارت السحابة المشعة، التي امتدت على مدى 800 م، في نفس الاتجاه، وغطت وحجبت مركز القيادة والطريق الذي يؤدي إليه، وبلغت السحابة ذروتها إلى نحو 2600 م فوق مستوى سطح البحر.

وتبعتها الطائرات الفرنسية على مسافة 600 كم باتجاه الشرق نحو الحدود الجزائرية-الليبية.

من بين ضحايا هذا الحادث النووي، تم تسجيل 17 حالة الذين ماتوا باللوكيميا.

على هذا الأساس، فإن حادث “بريل” يكون ربما الفريد من نوعه في التاريخ العالمي للتفجيرات النووية، على الأقل فيما يتعلق بتدفق الحمم البركانية خارج النفق.

وتبقى هذه الحمم عند سفح جبل تان افلا ارث تشكل خطرا على مدى قرون، وهو ما يعني أنها ستؤدي إلى ضحايا جدد في المستقبل؟.

الحادث النووي “بريل” أول ماي 1962: السحابة النووية…
الهروب في كل اتجاه !

كانت هذه السحابة سببا لتلوث كبير يمكن قياسه على بعد 500 كم بجنات (4.4 10-7 كوري /م3). “في هذا الوقت تم إعطاء الأمر بانسحاب جميع الموظفين حيث عاشوا ذعر حقيقي”! الهروب لمن استطاع؟ شهادة العقيد كلافيرت، يقول فيها “كنا في ظلام تام، وأجبرنا لتشغيل المصابيح الأمامية للسيارات.” !

وتجدر الإشارة إلى أن السحابة المشعة عبرت الحدود الجزائرية إلى دول أخرى، وتم هذا قبل السحابة النووية لـ”تشيرنوبيل” التي عبرت أوروبا في 26 افريل 1986 وكذلك السحابة النووية لحادث “فوكوشيما” في 11 مارس 2011.

هذان التاريخان يذكراننا بكارثتين نوويتين اللتان صدمتا العالم وأدرجتا فيما بعد في طي النسيان… وعليه فان الكارثة النووية “بريل” تعتبر فريدة من نوعها في تاريخ التفجيرات النووية الباطنية والتي يمكن مقارنتها بحادث “تشرنوبيل”.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل أوجه التشابه بين الكارثتين حادث “بريل” وحادث “تشرنوبيل” تقف عند حد هذا التصنيف فقط؟ إن التشابه المحتمل في التصنيف يعني أن هناك تشابه في المخاطر! حيث أن مخاطر “تشرنوبيل” معروفة ومدونة (تلويث مساحة كبيرة في عدة دول أوروبية وتسجيل مئات الآلاف من الوفيات وآلاف حالات سرطان الغدة الدرقية لدى الأطفال) وقس على ذلك؟؟؟

منطقة الإسقاطات الإشعاعية للحادث النووي “بريل” في أول ماي 1962 (بدون تعليق).

تؤكد لنا حالة كارثة “بريل” النووية الرهيبة على التراب الجزائري وجود “حمم بركانية” في الهوى الطلق والتي تم قياس نشاطها الإشعاعي (بين 77 و100 ميكرو غراى/ سا، µGy/h) وان سطح هذه الحمم المجمدة قد تدهورت بسبب ربما الأحوال الجوية منذ 57 عاما.

تاوريرت تان افلا – إين أكر 2010 : الحمم البركانية الناتجة عن الحادث النووي “بريل”

بالإضافة إلى ذلك، تأكد دراسة أجريت في 1965 على أن النشاط الإشعاعي المتبقي يقدر بحوالي 5.000 كوري (Ci) مثبتة على 10.000 طن من الحمم البركانية، منها حوالي 25 كوري (Ci) من البلوتونيوم (Pu) الذي يعتبر اخطر عنصر كيميائيا و نوويا حيث تقدر مدة نصف حياته بــ24.110 سنة.

كما يسجل التقرير الأولي المنشور في 2005 للخبرة التي أنجزتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية (AIEA) في 1999 أن أربعة مناطق لا تزال ملوثة حول تفجيري اليربوع الأبيض واليربوع الأزرق بحمودية وأمام مدخل أنفاق تفجيري “بريل” و”جمشت” بالجبل الصواني تاوريرت تان افلا.

وكذلك نتائج تحليل عينات من الحمم البركانية التي نشرت في 2008 في مجلة تطبيق الإشعاع والنظائر وكذلك تلك التي أجرتها المخابر المستقلة الفرنسية (CRIIRAD) في 2009، التي تأكد أن الآثار الراديولوجية لحادث “بريل” لا تزال تشكل خطرا محتملا، وخاصة الحمم البركانية.
في هذا الإطار، يؤكد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2005 أن كل شخص يبقى بالقرب من هذه الحمم المشعة لمدة 8 ساعات يمتص جرعة فعالة قدرها 0.5 ملي سيفرت (mSv)، مع العلم أن الجرعة السنوية المسموح بها للجمهور هي فقط1 ملي سيفرت/سنة! لذلك، فان الحمم البركانية المشعة تبقى إرثا، خطيرة لعدة قرون، تم التخلي عنها بدون أي حماية! أيضا هناك أشياء أخرى مقلقة تتعلق بمنطقة النفق حيث لا تزال بها مواد البناء وغيرها من الأشياء مثل الكابلات الكهربائية والقضبان، والخردة قد تم التخلي عنها منذ 1967. وحسب الشهادات التي جمعت بإين أكر، فان العديد من هذه الأشياء بالتأكيد مشعة أو ملوثة، تم استعمالها من قبل سكان المنطقة بعد 1967؟
إن ظروف التي وقع فيها هذا الحادث موثقة الآن بشكل جيد من قبل الشهادات التي تم جمعها ونشرها في الكتب والصحف الجزائرية والفرنسية، شهادات قدامى التفجيرات النووية من الفرنسيين والجزائريين الذين كانوا في مواقع التفجيرات، وخصوصا خلال الحوادث النووية.

شهادات الضحايا الجزائريين

إن الآثار الصحية على الجزائريين عمال أو مساعدين للجيش الفرنسي والسكان المحليين المستقرين أو البدو الرحل وعلى كذلك الفرنسيين العسكريين أو المدنيين يتم تأكيدها إلى حد كبير بشهادة الضحايا وقدماء التفجيرات النووية أنفسهم أو ذويهم أو من طرف السلطات الفرنسية نفسها. حيث أن جميع الدراسات وجميع الخبراء متفقون على أن هذه التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية هي التي سببت وتسبب العديد من الأمراض السرطانية وغير السرطانية.
حيث أن العديد من عائلات عين أمقل بتمنراست يدفنون موتاهم يوميا. “أمي، شقيقة وأخوين ماتوا بالسرطان ورغم هذا فان فرنسا تجد السبب لرفض ملفاتنا للتعويض، أربعة يموتون بالسرطان في عائلة واحدة، فإنه لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة” يستنكر ديهكال محمد من عائلة البدو الرحل الذين استقروا في تمنراست.

ان سكان عين أمقل لا زالوا مستمرون في تعداد مرضاهم والذين يولدون أموات والمعوقين …” في بعض الأحيان المرضى أنفسهم لا يعرفون مرضهم “، يقول أحد سكان عين أمقل.

إضافة إلى شهادات سكان مرتوتك التي تقع على بعد 100 كم من تاوريرت تان افلا، فهي أيضا ضحية للتفجير النووي الباطني “بريل” حيث مرت عليها السحابة المشعة الناتجة عن الحادث النووي “بريل”.

هذا هو تاريخ وذاكرة قرية شهيدة يقطنها 300 نسمة. لأن لدى سكان الصحراء ذاكرة حية. حيث إلى اليوم تنتقل حكايات التفجيرات النووية الجوية برقان والحادث النووي “بريل”، من الأب إلى الابن و من الأم لابنتها لأنهم يعانون في أجسادهم أثار التفجيرات النووية لفرنسا الاستعمارية. في 1962، قال الجنرال ديغول، بدون اخذ بعين الاعتبار سكان الصحراء الجزائرية، أن التفجيرات النووية لا تشكل “أي خطر” و هي “نظيفة!” رغم انه لا يجهل أثارها الوخيمة على الإنسان والنبات والحيوان، والتي لا زالت مستمرة حتى اليوم بل و إلى الأبد. هذه هي العلامات التي تجعلنا نؤكد الازدواجية الأبدية والتباين بين الفوضى والجمال، الخير والشر. في كلمة واحدة، قول خلود الأشياء الثابتة واستعادة الروح الحية لهذه المنطقة التي لا زالت تموت مرة أخرى. إذا كانت التفجيرات النووية لا تشكل أي خطر، لماذا تمت بالصحراء الجزائرية و بولينيزيا على بعد آلاف الكيلومترات من باريس؟
في الشهادات التي تم جمعها من سكان مرتوتك، فإنهم يتكلمون على ما يحدث كل يوم: التشوهات الخلقية، الأطفال الذين يولدون بإعاقة، الأشخاص الذين يموتون قبل الأوان، والكلاب والسحالي والنحل لا يتمكنون من البقاء على قيد الحياة، كل ذلك بسبب الإشعاع.

شهادات لضحايا من مرتوتك للجريمة النووية الفرنسية باين اكر
“كنت في العاشرة من عمري في ذلك الوقت وكنت راعياً على الهضبة ، ورأيت السحابة فوق القرية ، ثم تبعتها مروحيات الجيش ، فقدت الجمال والماعز التي ماتت بعد أشهر قليلة من التفجير النووي “بريل”.
“لا أستطيع أن أنسى هذا اليوم الأول ماي 1962. اهتزت الأرض تحت أقدامنا، بعد أن غطتنا السحابة بعض الوقت، شعرنا جميعًا بالذعر، فكرنا في نهاية العالم، وكانت الحيوانات تجري في كل الاتجاهات والطيور لقد توقفت عن الغناء، وحاول الجيش إخلاءنا، وفقدت البعض من عائلتي في نفس اليوم وأنا أعاني من مرض في الدم “.
وشهد شاهد من أهلها
في هذا الصدد وفي نداء نشر في صحيفة (le Monde) في 4 مارس 2010 أدلى بعض المجندين القدامى بشهادتهم في ما يلي مقتطف منها:
“نحن قدامى قاعدة الحياة “سانت لورانس” بالقرب من إين أمقل، نشهد كعلميين وعسكريين انه في أول ماي 1962، عقب تجربة نووية برمز “بريل”، تحت جبل تان افلا بإين أكر قد تم تشعيع وتلويث الجنود والمدنيين والسكان المحليين الموجودين في الميدان بإسقاطات الغبار المشع. إن مدة مرور السحابة المشعة في ذروة التلوث، والتي تم قياسها في مختبرنا، هو عشرون دقيقة، المدة التي أصبحت فيها تجهيزاتنا مشبعة بشدة الإشعاع من الجسيمات التي تم تسجيلها على مرشحات الهواء.
بالإضافة إلى ذلك، خلال الأسابيع والأشهر التي تلت تفجير “بريل” غيرالمحتوي، كان العسكريين، بما فيهم الذين غير معنيين بالمناطق الخاضعة للرقابة، و السكان المحليين، محل للتلوث المزمن بالغبار المعبئ بالمواد المشعة التي تم نقلها بواسطة العواصف الرملية المتكررة.

يمكن لسجلات القياسات التي نقوم بها بانتظام لمرشحات مراقبة الجو أن تشهد على ذلك، إذا سمحت السلطة العسكرية برفع السرية.

وهنا نحن نرفض تصريحات وزير الدفاع الفرنسي هيرفيه موران، التي نشرت في جريدة “Le Parisien ” بتاريخ 16 فيفري 2010، والتي مفادها: “الجرعات المتلقاة أثناء هذه التجارب كانت ضعيفة” وهذا ليس له علاقة تماما بخبرتنا المعاشة.

رجالا تجاوزوا الــ70 وأكثر، قد تكون شهاداتنا على ما يبدو آخر الشهادات من الجنود الذين عاشوا كارثة إين أكر في خدمة فرنسا في أول ماي 1962،

وخلال الأيام التي تلت ذلك، تلقى المئات وربما الآلاف من الأفراد، بما فيهم نساء وأطفال جزائريين جرعات مشعة جدا تسببت في إعاقة أو موت الكثير منهم.

يجب رفع السرية العسكرية التي قامت بالتستر على هذا الحادث النووي لأنها تعتبر قضية دولة والتي كان ضحيتها جزائريون وفرنسيون أبرياء. فخمسون سنة من بعد لم يعد لهذا التستر أي مبرر.

إننا نوجه نداء إلى أعلى سلطة في الدولة، رئيس الجمهورية، وكذلك إلى الممثلين الوطنيين الجزائريين والفرنسيين من اجل وضع، على جانبي البحر الأبيض المتوسط، قائمة الأشخاص المدنيين والعسكريين القدامى الذين تعرضوا لإسقاطات تفجير أول ماي 1962….


شهادة الطيار جاك مولير ” لقد تم إصابتي بالإشعاعات في عين امقل في أول ماي 1962

القياسات الراديوكميائية بعد كل تفجير نووي تتطلب عينات من الغبار على مستوى السحابة المشعة. تؤخذ هذه العينات عن طريق طائرات من طراز “فوتور” أو هليكوبتر داخل السحابة المشعة. تجمع العينات على مرشحات توضع على متن الطائرات. تحتوي كمية الغبار على حوالي 10 كورى (Ci). أيضا، وللعلم أنه بعد كل تفجير باطني، يرسل جنود من اجل جمع عينات مشعة داخل النفق. جاك مولر كان من بين الطيارين الذين قاموا بهذه المهام، حيث يدلي لنا في ما يلي بشهادته حول حادث “بيريل” “عند وقوع التفجير انبعثت شعلة كبيرة من الجبل المقابل لمركز القيادة(…) يمكن أن أقول أن نزوح سنة 1940 لا يمكن مقارنته بهذا التفجير الذي خلف حالة من الهلع والذعر والخوف أدت إلى الهروب الجماعي لمن استطاع.”

إن طيار الهليكوبتر، قد فقد بصره وتوفي في 25 سبتمبر 2007 ، مقتنع ومتأكد بان ما أصابه ما هو إلا نتيجة حتمية لحادثة أول ماي 1962.

لكن كيف يمكن إثباته؟ لان كل التجارب النووية لتلك الفترة تصنف “سري- دفاع”، يجيب بيير ميسمير وزير الجيوش على ذلك: “إن إصابته بالعمى لم تكن نتيجة لعمله، ولا توجد أي وثيقة من ملفه الطبي في الأرشيف العسكري؟؟؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين البيانات الصحية للعمال الجزائريين(.P.L.O) والسكان الجزائريين المعنيين بالإسقاطات الإشعاعية لكارثة “بريل”؟ للأسف،

إن قانون 15 جويلية 2008 حول أرشيف التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية وبولينيزيا جعل من المستحيل الإجابة على هذا السؤال المشروع لأن الأرشيف المتعلق بالنووي الفرنسي أصبح منذ ذلك التاريخ غير قابل للاطلاع على الرغم من مرور 60 سنة، المدة النظرية لسري- دفاع فيما يتعلق بالمسائل النووية.

وعليه، يجب أن نؤكد على إن “الملوث” مجبور في يوماً من الأيام على تنظيف وإعادة تأهيل مختلف مواقع التفجيرات النووية الملوثة على مستوى صحرائنا البريئة والاعتراف والتعويض لمختلف الضحايا وذوي الحقوق.

وفي الخلاصة نقول إذا كانت التفجيرات النووية تعد من الماضي، فإن آثارها على صحة الإنسان والبيئة والتوازن الايكولوجي تستمر على مدى قرون بل لآلاف السنين؟ ولا يضيع حق ورائه طالب.

د. عمار منصوري

باحث في الهندسة النووية

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

إغلاق