روبورتاجات وتحقيقات

هيروشيما وناغازاكي: الجرح الغائر في الجينات

تمر 74 سنة على الإبادة الذرية الجماعية بهيروشيما وناغازاكي:ضحايا عبر الأجيال

” لا أعرف كيف ستكون الحرب العالمية الثالثة، لكنني أعرف أنه لن يكون هناك الكثير من الناس لرؤية الرابعة ” ألبرت أينشتاين

القصف الذري على هيروشيما وناغازاكي:غير إنساني، غير أخلاقي و قاسي
تمر أربعة و سبعون سنة على الإبادة الجماعية النووية ضد اليابان.

ذكرى يتجمع فيها عشرات الآلاف من الأشخاص (الناجين وأقارب الضحايا والمسئولين الحكوميين والوفود الأجنبية) بهيروشيما وناغازاكي للترحم والوقوف دقيقة صمت على مختلف ضحايا الهمجية النووية.

في مثل هذا اليوم للترحم، قال رئيس بلدية هيروشيما، كازومي ماتسوي في 2013، خلال الاحتفال بالذكرى68 لأكبر جريمة حرب في التاريخ: “نتقدم بأعماق تعزينا القلبية والراحة لأرواح الضحايا ونؤكد العمل بكل ما في وسعنا للقضاء على هذا الشر المطلق الذي تشكله الأسلحة النووية وبناء عالم يسوده السلام”.

القنبلة الذرية: من لوس ألاموس (الولايات المتحدة) إلى هيروشيما وناغازاكي (اليابان)
في 1942، أطلقت القوات الأمريكية مشروع مانهاتن لصنع القنبلة الذرية. في معامل ضخمة محمية، عمل من اجل ذلك 75.000 شخص لصنع القنبلة الذرية، وكانت أول تجربة في لوس ألاموس بصحراء المكسيك الجديد وبعد ثلاثة أسابيع من هذه التجربة، تم إلقاء قنبلتين ذريتين لأول هجوم نووي في التاريخ على التوالي على هيروشيما في 6 أوت و على ناغازاكي في 9 أوت 1945.

حيث تمت أول تجربة نووية في العالم في 16 جويلبة 1945 و أعقبها 2404 تفجير نووي من بينها 521 في الجو و1883 تحت الأرض وتحت الماء وذلك بين 1945 و 2016.

ادت هذه التفجيرات إلى تلوث الكرة الأرضية نظرا للظروف المناخية وإصابة الكثير من الضحايا، ما لا يقل عن أربعة ملايين و كذلك تلوث الملايين من الهكتارات من الأراضي إلى الأبد!

بدأ كل شيء في اجتماع “لجنة الأهداف” يومي 10 و 11 ماي 1945 في لوس ألاموس. حيث عكف المشاركون في الاجتماع، نائب مدير “مشروع مانهاتن” توماس فاريل، الكابتن وليام بارسونز الاسترليني وعلماء الرياضيات والفيزياء جون فون نيومان ويليام بيني على اختيار الأهداف على الأراضي اليابانية للقنبلة الذرية حسب الترتيب التالي: كيوتو، هيروشيما،

يوكوهاما، ترسانة كوكورا، نيغاتا والقصر الإمبراطوري في طوكيو. تشكل هذه المدن مهد الإمبراطورية اليابانية.

في شهر أوت 1945، بعد بريق واحدة من الضوء، أصبحت فجأة مدينتي هيروشيما وناغازاكي مكان مقفر مع كومة من الرماد و الأنقاض وهياكل عظمية وجثث متفحمة. وهكذا، دخل العالم في عصر الدمار الشامل الذي في ومضة، أسفر عن مقتل أكثر من 200.000 قتيل واكتشف العالم، وهو في روعت، قوة نار الأسلحة النووية. أيضا، كان هناك الآلاف من المفقودين هؤلاء هم الذين، غداة القنبلتين، لم يحصوا لا من بين القتلى ولا من بين الأحياء في ثانية واحدة، تحولوا من المملكة الحيوانية إلى المعدنية؟

إن القصف الذري، المجزرة العشوائية، ضرب معظم سكان هيروشيما (340.000 نسمة) وناغازاكي (195.000 نسمة)، حيث كان اغلبهم من النساء الذين لم يشاركوا في المجهود الحربي والأطفال وكبار السن. وصل عدد الضحايا في نهاية عام 1945 إلى 140.000 في هيروشيما و74.000 في ناغازاكي نتيجة موجة الصدمة للتفجيرات النووية والحرائق والإشعاعات. توفي تقريبا إلى حد الآن 269446 شخص في هيروشيما وناغازاكي متأثرين بالقنبلتين الذريتين وذلك وفقا للسجلات المحتفظ بها في اليابان.

بعد عقود من الزمن، لا يزال اليابنيون يموتون بسبب قنابل الدمار الشامل. عندما نتحدث عن أرقام الموتى، هذا يؤلمنا جدا كون جعل الموتى أرقام الشيء الذي يستهين بحياتهم الكريمة وينفي كرامتهم الإنسانية.

الناجين، المعروفون في اليابان باسم “هيباكوشا”، الوضعية التي تمنح امتيازات اجتماعية والرعاية الطبية، تقاسموا قصصهم التي عاشوها مع الآثار الكارثية وغير إنسانية للقنبلة النووية، والكثير منهم استمر في تكريس حياته في العمل ضد استمرار استخدام الأسلحة النووية والضغط من أجل اتخاذ إجراءات فعالة للقضاء على الأسلحة النووية والتفجيرات النووية وإزالتها.

يتفق معظم الخبراء على أن الأسلحة النووية هي الآن أكثر خطورة من أي وقت مضى بسبب مجموعة من العوامل: العدوان الجيوسياسي، خطأ بشري، تعطل الكمبيوتر، فشل ألأنظمة المعقدة للغاية، زيادة النشاط الإشعاعي في الغلاف الجوي، والتكلفة البيئية والصحة العامة،

والمجاعة والفوضى على نطاق واسع إذا تم تفجير فقط عدد قليل من الأسلحة النووية عن طريق الخطأ أو عن قصد. ومع ذلك القليل من الناس الذي أدرك فعلا الآثار المترتبة على ظهور العصر النووي.

في الحقيقة إننا جميعا نعيش تحت التهديد اليومي للأسلحة النووية. يجب علينا أن نؤمن أن “الإنسانية والأسلحة النووية لا يمكن أن تتعايش”، وهذا هو واجب أخلاقي على الجميع من اجل حظر الأسلحة النووية لضمان عالم آمن ونظيف وعادل للأجيال القادمة.

هل فتح الطريق نحو الحياة في وئام مع الطبيعة لا ينبغي أن يكون حكمة الإنسان؟ لان القنابل الحالية هي عشرة مرات أكثر قوة من تلك التي دمرت المدن اليابانية. إن شهادات الناجين من هيروشيما وناغازاكي تعد تذكير صارخ للصعوبات التي يعاني منها العالم لوقف زخم الأسلحة النووية.

وأخيرا، يعتقد أكثر من 7 ضحايا من 10 الذين تم استجوابهم بأن شهاداتهم سوف تساعد على منع استخدام الأسلحة النووية في المستقبل. لأن اليوم هناك أكثر من 15850 سلاح نووي في العالم وفقا للمعهد الدولي للبحث حول السلم بستوكهولم. وعلى الرغم من التشريعات الدولية لتنظيم إنتاج الأسلحة النووية، لا تزال هذه الترسانة المدمرة في مركز الانشغالات.

للإشارة، يرتكز مبدأ “الردع النووي” على أساس سيناريو ذو طبيعة انتحارية، لأنه بموجب المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي يؤدي أي هجوم بالأسلحة النووية على دولة غربية من الدول الموقعة إلى تفاعل بالتسلسل من ردود الفعل للدول الأعضاء الأخرى الشيء الذي لا محالة يؤدي بدوره إلى أزمة نووية عالمية؟ بالنظر للآثار المدمرة لــ “ليتل بوي” و “فات مان” على البيئة الطبيعية والبشرية، هناك إلحاحا أكبر لإحراز تقدم في الطريق نحو حظر أسلحة الدمار الشامل التي تتميز بالقتل دون تمييز، سواء في صفوف العسكريين أو المدنيين، وبشكل عام لأي كائن حي، مع آثار مدمرة ودائمة على البيئة و التسبب في أضرار لا لزوم لها.

تسمى بأسلحة الدمار الشامل كل من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية والإشعاعية. اليوم، يشكل وجود الأسلحة النووية، إلى جانب خطر انتشارها والإرهاب النووي، مفارقة التهديد الحقيقي لكل البشرية.

القنبلة الذرية الأولى

باختصار، تم تنفيذ الغارة على هيروشيما من قبل ثلاثة طائرات (B-29) ألتي كانت تحلق على علو أكثر من 9500 متر فوق مستوى سطح البحر، وهي:

1 – “إينولا جاي” (للقصف)
2 – “قريت ارتيست” (للقياسات وبيانات المسح)
3 – “نسيسارس ايفيل” (للصور والأفلام).

السماء الزرقاء الصافية وثلاث طائرات في الجو هي الصورة الأخيرة التي يتذكرها ويحتفظ بها الناجون من قصف هيروشيما يوم 6 أوت 1945 قبل التدمير.

قبل فترة وجيزة من 8سا15د وصلت “إينولا جاي” فوق المدينة. كان موريس جيبسن الملازم الثاني، آخر من لمس القنبلة عندما وضع فتيل السلاح. حيث اصدر بول تيبتس الأمر بالقصف وقام بتنفيذه الرائد توماس فيريبي مستهدفا جسر “أيوي”، الذي يعرف من خلال شكله مثل حرف “T”، حيث يشكل معلما مثالي في وسط المدينة. بعد وقت قصير من 8سا15د، أخرجت قنبلة “ليتل بوي” من الطائرة على ارتفاع 9450 متر.

في 8سا16د2ثا، بعد حوالي 43 ثانية من السقوط الحر، بتنشيط من أجهزة استشعار الارتفاع والرادارات، انفجرت القنبلة على علو 580م عموديا بالنسبة لمستشفى شيما في قلب المدينة (يحسب الارتفاع على أساس أن يؤدي لأقصى ضرر على المدينة وسكانها)، على بعد حوالي 300 متر إلى الجنوب الشرقي من الجسر المستهدف في الأول، محررة طاقة تعادل حوالي 15 كطن من مادة تي. ان. تي. قتل هذا التفجير على الفور عشرات الآلاف من الأشخاص ودمر كل شيء في مساحة 12كم2.

الضوء المسبب للعمى يرافق في الواقع انفجار القنبلة. تحدث الكارثة بسرعة مخيفة. يتشكل أولا ما يسميه التقنيون “كرة الانصهار” واليابانيون يطلقون عليه اسم “شمس الموت”.

هي كتلة متوهجة قطرها خمسمائة متر تقريبا و درجة حرارتها 2 مليون درجة! حيث كل ما يوجد في محيط معين يتفحم على الفور. أما في الأدنى، بالقرب من مركز التفجير النووي، ترتفع درجة حرارة المساحات المعرضة لهذا الإشعاع لفترة وجيزة، سطحيا، لـ 4000 درجة مئوية. تظهر الحرائق، حتى على بعد عدة كيلومترات. يحرق الأشخاص المعرضين لهذا البرق. أما الذين هم محميين داخل البيوت أو بالمباني أصيبوا بالشظايا من جراء تطاير الحطام بعد بضع ثوان عندما وصلت موجة الصدمة لهم. دمرت الرياح التي سرعتها 300-800 كم/سا الشوارع والمنازل. وعليه فان المحنة الطويلة للناجين لم تكن إلا في بدايتها عندما سحابة الفطر، تمتص الغبار والحطام، وتبدأ في الصعود في الجو إلى عدة كيلومترات.

في هذه الأثناء قامت طائرة “إينولا جاي” بدورة بــ155 درجة نحو الشمال الغربي لتعود من حيث أتت. تمكن طاقم الطائرة المزود بنظارات حماية من متابعة التفجير.

حيث صاح روبرت لويس مساعد الطيار، يقول: “يا إلهي، ماذا فعلنا … كم عدد اليابانيين الذين قتلنا؟” ولو أعيش مائة سنة، سوف احتفظ إلى الأبد بتلك الدقائق في ذهني” ما كتبه في سجل الطائرة. أما الطائرتين الأخريين المسئولتين عن جمع البيانات واخذ صور بقيتا مدة أطول حول موقع التفجير من اجل اخذ صور للفطر والأضرار، وتصوير المناطق المحيطة وجمع المعلومات عن المهمة.

طاقم “إينولا جاي” يتوسطهم بول تيبتس.

الأضرار في وسط هيروشيما بعد التفجير النووي في 06 أوت 1945.

رسائل أمريكية إلى الشعب الياباني (8 أوت 1945)
بالتوازي مع التبادلات بين الحكومات، تم في 8 أوت 1945 إسقاط من الطائرات على اليابان رسائل مطبوعة على أوراق صغيرة هذا نصها:

تنبيه إلى الشعب الياباني
” تطلب أمريكا منك أن تنتبه فورا لما ستقرؤه على هذه الورقة. نحن في حيازتنا المتفجر الأكثر تدميرا لم يعرفه الإنسان من قبل. لدينا قنبلة ذرية واحدة من التي تم تطويرها مؤخرا تعادل القوة التفجيرية لــ 2000 B-29 أثناء مهمة واحدة. يجب على هذا البيان الرهيب أن يجعلكم تفكرون ويمكننا أن نؤكد لكم رسميا أن هذه المعلومات دقيقة بشكل فظيع. حيث نحن في بداية استخدام هذا السلاح ضد بلدكم. إذا كان لديك أي شكوك، قوموا بتحقيق واستفسارات حول ما حدث في هيروشيما عندما سقطت قنبلة واحدة من قنابلنا على المدينة. قبل استخدام هذه القنبلة لتدمير كل الموارد العسكرية التي يمكن أن تواصل هذه الحرب التي لا داعي لها، نحن نطلب منكم أن ترسلوا للإمبراطور عريضة لإنهاء الصراع. حيث كشف رئيسنا على النقاط الثلاثة عشر كشرط لاستسلام شريف. نحن نحثكم على قبول هذه الشروط والبدء في عملية بناء يابان جديد أفضل وفي سلام.
يجب الآن اتخاذ قرارات لوقف المقاومة المسلحة وإلا فإننا سوف نضطر إلى استخدام هذه القنبلة وكل ما نملك غيرها من الأسلحة المتفوقة لوقف بسرعة وبقوة هذه الحرب.”

القنبلة الذرية الثانية
وباختصار أيضا، لقد تم إلقاء القنبلة الذرية الثانية يوم 9 أوت 1945. في البداية، طائرة القصفB-29 “بوكسكار” كانت من المقرر أن تلقي قنبلة “فات مان” على مدينة كوكورا لكن قائدها، تشارلز سويني، قرر الرجوع إلى الهدف الثاني ناغازاكي بسبب السحب فوق المدينة. طائرتان B-29 أخريين انطلقتا من بعد بقليل وهما: “ذي قريت ارتيست” بقيادة فريديريك بوك و “بيغ ستينك” بقيادة العقيد هوبكينز.
بعد عشر دقائق من الطيران، قام قائد الطائرة أشوورث بتفعيل القنبلة عن طريق وضع الفتيل و أمر بعدم النزول إلى اقل من 1500 متر.
عند الوصول فوق كوكورا على 10سا20د، واجه طاقم “بوكسكار” مشكلة السحاب الذي يغطي 70٪ المدينة حيث يستحيل القصف. فبعد ثلاث محاولات تحليق فوق كوكورا، قرر التوجه إلى ناغازاكي، الهدف الثاني، لقصف واضح الرؤيا على المصانع الهامة في المدينة. عندما ظهرت الطائرات فوق ناغازاكي عند حدود 10سا56د، اعتقد اليابانيون أنها طائرات الاستطلاع.
في11سا2د سمحت ثغرة في السحب فوق ناغازاكي لقائد الطائرة “بوكسكار”، النقيب كيرميت بيهان، لاستهداف المنطقة المقصود، وادي توجد به مصانع. حيث أسقطت “فات مان” التي انفجرت على علو 469 متر. وقع التفجير بين اثنين من الأهداف المحتملة: مصنع صناعة الصلب والتسليح لميتسوبيشي شمالا ومصنع الطوربيدات لميتسوبيشي-اوراكامي جنوبا.
أسقطت القنبلة في حدود 10سا58د بالتوقيت المحلي، ودمر التفجير بقوة 20 كطن 3.8 كم2 من المباني في حي اوراكامي.
واصلت “ذي قريت ارتيست” مهمتها العلمية حول ناغازاكي، وتوجهت “بيغ استينك” إلى ناغازاكي لالتقاط الصور بينما توجهت “بوكسكار” نحو الجنوب. عادت الطائرات الثلاثة إلى قاعدة “تينيان” بدون أي أضرار تذكر في 9 أوت على 23سا30د.
أسقطت يوم 9 أوت 1945 الـB-29 الثلاثة ما يقارب ثلاثة ملايين من المنشورات على المدن اليابانية تحذر من أن قنابل نووية ستستخدم لتدمير كل الموارد العسكرية في البلاد ما لم يعلن الإمبراطور عن نهاية الحرب.

ارتفاع “الفطر الذري” على ناغازاكي إلى علو 18 كم عقب التفجير النووي
في 09 أوت 1945
83٪ من الناجين اليابانيين الذين شملهم استطلاع أرادوا زيارة باراك أوباما إلى هيروشيما أو ناغازاكي. ففي عام 2010، كان سفير الولايات المتحدة في اليابان جون روس هو أول ممثل لحكومة الولايات المتحدة الذي يشارك في حفل ذكرى هيروشيما. وهي أيضا المرة الأولى التي ترسل فيها انجلترا وفرنسا ممثلين رسميين. حيث رحب بعض اليابانيين بهذه أللفتة من الولايات المتحدة ووجد البعض الآخر أنها غير كافية ويتساءلون لماذا استغرقت هذه المبادرة 65 سنوات؟ وأضافوا يجب على أوباما أن يكون هنا بعد الخطب التي ألقاها حول الأسلحة النووية. وموازاة مع ذلك، فإن الرأي العام في الولايات المتحدة حول ذاكرة التفجيرات النووية المأساوية على هيروشيما وناغازاكي لا يزال منقسم. في الواقع، 56٪ من الأمريكيين يعتقدون أن استخدام القنبلة الذرية له ما يبرره، على الرغم من جهود إعادة التقييم التي بذلت من قبل بعض الجامعيين والمثقفين. تسعى في الولايات المتحدة الوكالة الفيدرالية الأمريكية للمتنزهات ووزارة الطاقة إلى إنشاء متنزه تاريخي مخصص لمشروع “مانهاتن” يريدون من خلال هذا تكريم تاريخ المواقع التي كانت سابقا سرا “لوس ألاموس” و”أوك ريدج” و”هانفورد” حيث ساهم فيها العلماء من جميع أنحاء العالم في تطوير القنبلة الذرية الأولى. وكان احد النجاحات الأولى لهذا المشروع هو تحويل مدينتي هيروشيما وناجازاكي السلمية إلى جهنم فوق الأرض.
هل “ليتل بوي” و”فات مان” كانتا “شر لا بد منه” لإجبار اليابان إلى الاستسلام؟ من المعروف أن القادة اليابانيين كانوا يعتزمون الاستسلام ومن المحتمل كانوا قد يعلنون عليه قبل تاريخ الغزو المحتمل على اليابان من قبل الولايات المتحدة في 1 نوفمبر 1945. لكن أهداف ترومان كانت تعني اختبار فعالية القنبلة الذرية والتقدم في سباق التسلح على الاتحاد السوفياتي. الدليل على ذلك هو استعمال قنبلة “باليورانيوم” ضد هيروشيما وقنبلة “بالبلوتونيوم” ضد ناغازاكي.

القنبلة الذرية الثالثة

بعد القصف الذري لناغازاكي، أعدت الولايات المتحدة قنبلة ثالثة لاستعمالها في حالة ما لم تجدي مهمة القنبلتين الأوليتين. وفقا لتشاك هانسن، كان لدى الولايات المتحدة قنبلتين من نوع “فات مان” في نهاية 1945 لكننا لا نعرف على وجه الدقة تاريخ صنعهما.

في أرشيف الجنرال سباتز، يذكر أن قوات السلاح الجوي الأمريكي يريدون إسقاط القنبلة الذرية الثالثة على طوكيو إذا لم يستسلم اليابانيين بسرعة.

وأخيرا، الأسئلة التي تطرح نفسها: “متى يتم إدانة الولايات المتحدة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية فيما يتعلق بالقنابل الذرية؟ و من الذي يمكن أن يتخذ مبادرة ملاحقتهم في محكمة مختصة؟

أوباما في زيارة تاريخية لهيروشيما (27 ماي 2016): هو أول رئيس أمريكي في مهامه يأتي ليترحم على الضحايا اليابانيين من جراء القصف النووي. للتذكير، لقد قام ريتشارد نيكسون بزيارة إلى عين المكان في 1964 قبل انتخابه رئيسا، وجيمي كارتر في 1984 بعد فترة من مغادرته البيت الأبيض. أما بالنسبة للرئيس أوباما، فقد صرح بوضوح: “لا يريد القيام باي زيارة في عين المكان لإصدار حكم بشأن قرار اتخذه سلفه البعيد هاري ترومان أو الاعتذار بشكل من الأشكال”. وبالإضافة إلى ذلك، في خطاب نهاية عهدته في 17 جانفي 1961، حذر الرئيس الأمريكي أيزنهاور الولايات المتحدة ضد مخاطر “المجمع الصناعي العسكري”، من تأثيره غير المشروع على الحريات والطرق الديمقراطية”

بعد زيارة متحف مدينة هيروشيما الشهيدة في 11 أفريل 2016، والذي يقدم شهادات حية للجحيم النووي الذي دمر هيروشيما، صرح جون كيري: “لن أنسى أبدا الصور المعروضة التي من شانها تقلب المعدة “. “يجب على الجميع أن يرى ويشعر بقوة هذا المتحف التذكاري ” كتب وزير الخارجية على دفتر الزوار، الشيء أعطي الأمل لزيارة باراك أوباما.

بمناسبة زيارته إلى اليابان في إطار مجموعة السبع، قام باراك أوباما في 27 ماي 2016 بزيارة النصب التذكاري للسلام في هيروشيما. فبرفقة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي وضع الرئيس الأمريكي إكليلا من الزهور أمام هذا النصب، حيث صرح قائلا: “منذ 71 عاما خلت،

سقطت الموت من السماء”، وقال أوباما في بداية خطابه أمام الآلاف من سكان المدينة بما في ذلك بعض الناجين من القصف النووي، قبل أن يدعو إلى “عالم بدون الأسلحة النووية.” في ذلك اليوم، تغير العالم إلى الأبد” لقد برهنت هذه القنبلة بأن البشرية تملك الوسائل لتدمير نفسها بنفسها” مضيفا “لماذا أتينا هنا إلى هيروشيما؟

لقد جئنا للتفكير في هذه القوة الرهيبة التي صدرت في وقت ليس علينا ببعيد. لقد جئنا للترحم على الموتى”، قبل أن يضم بين ذراعيه أحد الناجين”. وأضاف ” أرواحهم تحدثنا، و تطلب منا أن ننظر في أعماق أنفسنا” “إن التقدم التكنولوجي بدون تقدم مثيل للمؤسسات الإنسانية يمكن أن يكون كرثي علينا” “إن الثورة العلمية التي أدت بنا إلى انشطار الذرة تدعو أيضا إلى ثورة أخلاقية.”

أوباما مع تسو بوي احد الناجين الذي زار الجزائر في 2007.

كل تفجير نووي له آثار على المديين القصير والطويل:

على المدى القصير، أول مظهر من مظاهر التفجير النووي هو الضوء الذي ينبعث منه والمسبب للعمى، على الأقل مؤقتا، وذلك على مسافة قد تصل إلى عدة كيلومترات، للذين ينظرون في اتجاهه. الموجة الحرارية التي تنتشر من بعد تؤدي إلى التبخر الفوري لأجسام الناس دون وقاية والأقرب من مركز الانفجار النووي. وفي أماكن أبعد بقليل يكون التفحم الكلي، تبخر الأحشاء، وأخيرا حرائق متفاوتة الخطورة أساسا في مناطق الجسم المعرضة للحرارة الإشعاعية. يتم حرق مجموع المدينة في نصف الساعة الموالي والتدمير بالنيران يصل إلى 13 كم2.

على المدى الطويل، ترتبط التأثيرات الصحية أساسا بالإشعاع والإسقاطات الإشعاعية. لأن أثار القنبلة الذرية ما زالت قائمة إلى حد اليوم. “ليتل بوي” و “فات مان” لا زالتا تقتلان. في الواقع، لقد أصيب الناجون بجرعات متنوعة للغاية. والعلاقة بين الجرعة والأثر الدقيق من الصعب تحديدها. فمن المعروف أن الأشعة تخلق شذوذ كروموسومي يتناسب طرديا مع الجرعة. أما عشر سنوات بعد الانفجار، نشاهد ذروة معتبرة للوكيميا وسرطانات نخاع العظم. ثلاثون سنة بعد الانفجار تبدى الأورام الصلبة بالظهور ، خاصة بالنسبة للثدي والجلد والرئة والمثانة والغدة الدرقية، والمبيض.

شهادات الضحايا اليابانيون: يوم سقوط الجحيم من السماء
نحن نتذكر!

“الهيباكوشا”: مصطلح ياباني يطلق على الناجين من القصف الذري لهيروشيما وناغازاكي، يقولون في شهاداتهم انه لا يجب على أي إنسان أن يعيش تجربتهم اللاإنسانية أللشرعية و اللاأخلاقية وقسوة القنبلة الذرية، وان مهمتهم تكمن في تحذير العالم من تهديد الشر المطلق. وانطلاقا من هذه القناعة قاموا بالتعبير عن هذا في جميع أنحاء العالم خلال العقد الماضي، من أجل فرض حظر شامل على الأسلحة النووية. وأضافوا أنه إذا نسيت البشرية ما حدث في هيروشيما وناغازاكي سوف يصيبها الفناء.
أكثر من 7 من 10 من الهيباكوشا الذين تم استجوابهم يشعرون بأن شهاداتهم سوف تساعد على منع استخدام الأسلحة النووية في المستقبل. وللأسف، فإن هؤلائ الهيباكوشا، الذين متوسط أعمارهم 80 عاما، هم كبار السن يموتون، ولم يتبق سوى عدد قليل منهم.

كيمي ميهارا، 90 عاما قبة غنباكو- هيروشيما، بعد التفجير.
في صباح يوم 6 أوت 1945، كان مكتب كيمي ميهارا في قبة غنباكو. جاءت في وقت متأخر إلى العمل. السبب الذي من اجله أنها لا تزال على قيد الحياة. “أنا لا أريد أن أرى هذا المكان لفترة طويلة” … “أنا على قيد الحياة لأنني تأخرت على العمل وأنا أشعر بأنني محظوظ جدا، ولكن الحزن لا يتركني عندما أفكر في زملائي الذين ماتوا جراء القصف النووي” صرحت كيمي ميهارا. على الرغم من أنها نجت من الموت، لكن أحرق وجهها، و ذراعيها وساقيها. بعض أثار الحروق لا تزال مرئية على جسدها. احترق منزلها و فقدت والدها، الذي كان في مكتبه بالقرب من مركز التفجير.
القبة، بناء على ارتفاع كبير فوق نهر موتوياسو، تم بناؤه في عام 1915، كان مثال نادر على العمارة الغربية في هيروشيما في ذلك الوقت. المهندس المعماري التشيكي جان لتزال الذي صممه ليكون معلم المدينة وقاعة عرض للنهوض بالصناعي والثقافي. كان هذا المبنى المكون من ثلاثة طوابق على بعد 160 متر من مركز التفجير، لكنه قاوم وهو الشيء الوحيد الذي بقي واقفا في المنطقة.
في يوم 6 أوت 1945، عشرات الآلاف من الناس ماتوا على الفور في هيروشيما، بما في ذلك ثلاثين في قبة غنباكو. هذه القبة، بناء ذي واجهات متفحمة، سجلت كموقع للتراث العالمي لليونسكو في عام 1996 من اجل الدعوة إلى عالم خال من الأسلحة النووية والسلم العالمي.

سوميتارو تانيجوتشي، 87 عاما
كان عمره 16 عاما عندما ألقيت القنبلة على ناغازاكي. وكان على دراجته في وقت وقوع الانفجار، حيث يقول: ” ألقيت على الأرض، أحرق ظهري على الفور. شعرت بهزة أرضية، واعتقدت أنني أحتضر. عندما عاد الهدوء، رأيت أن جلد ذراعي الأيسر، من الكتف إلى أصابعي، قد تزحزح إلى الأسفل. لم يكن لدي أوجاع. لكن عندما لمست ظهري وجدت أن قميصي ذهب، كان هناك شيء أسود ولزج على يدي، دراجتي التوت تماما”.

هاشزيم فوميكو، 85 عام
“أنا أحد الناجين من قصف هيروشيما. أنا أعيش في طوكيو. في 11 مارس عام 2011، عندما وقع الزلزال العظيم في الشمال-الشرقي لليابان و المتبوع بالكارثة النووية لفوكوشيما، “كنت اكتب كتابا عن التفجير الذري الذي وقع قبل ستة وستين عاما، وعن حياة السكان المدنيين في هيروشيما قبل وبعد التفجير، وكنت قد كتبت بالفعل جزء كبير من هذا الكتاب، ولكن طغى علي الألم بسبب الحادث النووي في محطة فوكوشيما النووية، أردت أن اكتب الفصل الأخير من الكتاب في مكان التفجير النووي هيروشيما، مسقط رأسي. في ذلك اليوم، قد أصبحت ضحية وأنا على بعد 1.5 كم من مركز تفجير القنبلة النووية. لقد أصيبت بجروح بالغة جدا، وكنت قريبة من الموت ولكن نجوت بمساعدة ثلاثة أشخاص الذين أنقذوا حياتي، وعندما كنا نعيش في الأكواخ، عانيت من أمراض خطيرة نتيجة الإشعاع مثل ارتفاع درجة الحرارة ونزيف في الأنف واللثة والإسهال والقيء الرهيب، بقع أرجوانية على الجسم و تساقط الشعر. ومع ذلك، ومرة أخرى بأعجوبة نجوت . بعد ذلك وحتى اليوم، لقد عانيت من الكثير من الأمراض ولم يمرعلي يوم واحد وانا أتمتع بصحة جيدة.عندما اذهب إلى الفراش في الليل، أدعو الله، “على أن لا استيقظ في صباح الغد. ” جميع هذه الأمراض كانت بسبب التشعيع الداخلي. كل المواد الملوثة بالإشعاع كنا قد تناولناها، وخاصة المياه والطعام و الهواء، حيث تستمر تفاعلات هذه المواد المشعة بدون توقف داخل الجسم وتضطرب الجينات. ويستمر هذا حتى الموت. وتظيف فوميكو: “إن النشاط الإشعاعي لا يعرف حدودا. ولمساعدة الأطفال الذين هم المستقبل، معا، في جميع أنحاء العالم، يد في اليد لننهض ضد الطاقة النووية”.

ايواو إيتو، 84 عام
على بعد 3 كم من التفجير، تحطمت النوافذ، ودخلت الشظايا رأسه وجسده. “لو كنت أعلم أننا كنا نتخذ الطريق الأكثر تلوث في المدينة … هذا هو أسفي الكبير.” كنا نبلل أجسامنا بالماء لكي نعبر على النيران. في ذلك اليوم كنت أمشي وأفكر بأنني سأصبح مجنون. لقد عبرنا نهر انكوقاوا في وسط أجساد مشوهة بملابس ممزقة”. يرفض ركوب شاحنة لمغادرة المدينة إلى الضواحي و كوبا قريته.” كان هناك أناس بجروح فظيعة وبشرة سوداء. كان منظرهم مثير ومروع كنت وقحا، ولكن لا يمكن أن اركب معهم. إنهم يشمئزوني. ” ثم يصل في وقت متأخر من الليل إلى كوبا على متن قطار. على رصيف المحطة ينهلون عليه بالأسئلة: “هل تعرف أين ابني؟ ابنتي؟ ” ” لقد كان مؤلما لأنني كنت أعرف أن الكثير من هؤلاء يعملون في وسط المدينة، بالقرب من مركز التفجير النووي. ”
في الأخير، يعيب ايواو إيتو على الحكومة اليابانية بأنها لم تفعل شيئا لتزويده بمعطيات حول مستويات الإشعاع التي تعرض لها؟

ساتسوكو ثرلاو، 84 عام
من الناجين بهيروشيما، مرشحة لجائزة نوبل للسلام في عام 2015.
” في 8سا15د، في الوقت الذي ألقى علينا القائد “يناي” خطابه الحماسي المشجع في الجمعية، فجأة رأيت من خلال النافذة برق أبيض بالون الأزرق يعمي الأبصار وأذكر أنني كان لي الإحساس أنني أسبح في الهواء، عندما استعدت وعي في الصمت والظلام، وجدت نفسي عالقة في المبنى المنهار، ولا يمكن أن أتحرك وكنت أعرف أنني أواجه الموت. ثم، فجأة، شعرت أيدي تلمس كتفي الأيسر، وسمعت رجل يقول: “لا تستسلمي! واصلي التحرك! استمري في الدفع! أنا أحاول أن انقضكي. هل ترين الضوء من خلال هذه الفتحة؟ تسللي من خلالها واخرجي بأسرع وقت ممكن “. وعندما زحفت للخروج، كانت الأنقاض تشتعل بالنار.” كواحدة من الناجين من القنبلة الذرية على هيروشيما، أشعر بالتزام قوي لكي احكي قصة هيروشيما. إن الناجون يكبرون في السن و يموتون، ولم يتبق سوى عدد قليل منا، نحن نعتقد أنه من الضروري بمكان التحدث مع جيل الشباب حول العصر النووي الرهيب “. “إن أول ما يتبادر إلى ذهني هو صورة إيجي، ابن أخي ذو الأربعة سنوات، حرق جسمه واسود وتورم، الذي كان يطلب الماء مرارا بصوت منخفض، قبل أن يفارق الحياة في معانات لا تطاق. هذه الذكرى تقلقني، وبعد كل هذه السنوات، تبقي في ذهني ملامح طفل يبلغ من العمر أربع سنوات، والذي أصبح رمزا للأطفال في العالم. وموت الأبرياء هو الذي أعطاني القوة لمواصلة النضال ضد هذا الشر المطلق من الأسلحة النووية، وظلت صورة إيجي محفورا على شبكية عيني “. “كنت تلميذة من 13 عاما عندما أصيب العمى هيروشيما من قبل البرق في مهب تفجير مثل الإعصار، الحرق بموجة حرارة 4000 درجة مئوية، والتلوث بالإشعاع الذري”. “بأعجوبة، تم إنقاذي من مبنى منهار، يوجد على حوالي 1800 متر من مركز القنبلة. معظم رفاقي الذين كانوا في نفس الغرفة، قد أحرقوا أحيا. إنني ما زلت اسمع أصواتهم وهم يتوسلون، داعين الله وأمهاتهم للحصول على المساعدة. برفقة اثنين من ناجين آخرين، رأيت موكب الأشباح يمشون ببطء وهم يبتعدون عن وسط المدينة. أجسادهم بشعة من الإصابات التي لحقت بها، كانت مغطاة بقماش من الأشلاء. بعضهم فقد ثيابه من جراء التفجير. وكانت الدماء والحروق على أجسادهم وجلودهم تفحمت، وهي تفتقر إلى ذراع وساق وعضلات والجلد منفصل عن العظام، البعض أعينهم في أيديهم لقد اقتلعت والأمعاء خارج البطونهم المفتوحة”.

ميتسو كوداما، 83 عام
لقد تعرض ميتسو كوداما إلى جرعة 4.6 سيفرت (ما يعادل 250 مرة حد الجرعة التي يسمح بها لعمال الطاقة النووية) بينما كان واقفا على بعد 876 متر من مركز التفجير النووي، من بين 307 تلميذ بكولاج هيروشيما المبني من الخشب، الذي كان في مهب التفجير، حيث تم حرقه مع عشرات الأطفال محاصرين. “أولئك الذين أدركوا أنهم لن يفلتوا من الموت بدؤوا ينشدون النشيد الوطني. أصوات من رفاقي الذين أحرقوا أحيا ولم استطع مساعداتهم لا تزال محفورا في ذاكرتي إلى الأبد.” من بين 307 تلميذ لم يبقى فقط إلا اثنان هو وآخر حاليا مصاب بالاكتئاب النفسي. لكن بعد القصف كانوا 19. “ماتوا بالسرطان وأمراض القلب. لقد رأيتهم يموتون الواحد تلو الآخر وكانت أعمارهم 30 و40 و50 عاما.”
لم يكن ميتسو كوداما أبدا قادرا على إنجاب الأطفال.. بعد إجراء الفحوصات، علم أنه كان عقيما. في 2005، أكدت مؤسسة البحوث حول آثار الإشعاع، على أن خلايا ميتسو كوداما قد أصابها الشذوذ الكروموزومي. كان حمضه النووي موضوع لنقل المواقع الوراثية والذي لا رجعة فيه. “لا أريد أن أكتفي بشهادات على رعب القصف النووي، ولكن أن أتطرق لمعالجة الجانب الطبي والتقني لأثار الإشعاع.”

ياسواكي ياماشيتا، 77 عام
“عندما سقطت القنبلة الذرية على ناغازاكي في 9 أوت 1945، كان عمري 6 سنوات أعيش مع عائلتي في منزل من الخشب. في ذلك اليوم، كنت ألعب في المنزل بجانب والدتي التي كانت تعد طعام الغداء. وفجأة، وتحديدا على الساعة 11سا 2د، أصبنا بعمى ضوء ساطع. دفعني أمي على الأرض وغطت لي جسدي. لقد سمعنا صوت ريح شديد وتطاير حطام منزلنا الذي انهار علينا. ثم ساد الهدوء. كان منزلنا يوجد على بعد 2.5 كم من مركز القنبلة. أختي التي كانت في جزء آخر من المنزل أصيبت بالزجاج المتطاير. تم تجنيد والدي للمساعدة في تنظيف الدمار في وسط ناغازاكي. في ذلك الوقت، كنا لا نعرف شيئا عن مخاطر الإشعاع الذي تسبب في وقت لاحق وفات أبي.”
لقد حولت القنبلة وسط ناغازاكي إلى جحيم الموت والدمار .. وبعد أسبوع من التفجير، ذهبنا من خلال الأنقاض في وسط المدينة حيث الحرائق لا تزال مشتعلة في طريقنا إلى الريف، حيث نشترك مع أقاربنا القليل من الطعام الذي لديهم. وبعد سنوات قليلة، كنت أعمل في مستشفى ناغازاكي، كان من المؤلم جدا أن نرى الناجين لا يزالوا يعانون من آثار الحروق والإشعاع. وأعتقد أنه من المهم أن تبقي حية ذاكرة المعاناة والدمار والموت الذي يمكن أن تسببه الأسلحة النووية على أمل أن لا أحد سيستخدمها مرة أخرى “.

آكيمي ماسودا، 76 عام
“كنت ألعب مع ابن عمي. لقد رأينا في السماء الزرقاء ثلاث طائرات كانت متوجهة نحو الغرب. الشيء الذي يحدث في كثير من الأحيان و لكن نحن لم نلاحظ ذلك.” “كنت حينها اقسم حبة طماطم، النصف الكبير لي وألا صغر لأختي. لقد اعتقدت لفترة طويلة أنه كان عقابا لي لأنني لم أكن عادلة في قسمة حبة طماطم. وانتقم مني الآلهة. في الخامسة من عمري كنت أرى الناجين من الأسفل، رؤية رهيبة التي لا تزال في ذاكرتي، جلود أيديهم تتدلى وتسقط كأشلاء على الأرض. لم نفهم ما حدث لنا. ” على بعد 2.3 كم من مركز التفجير النووي كانت ترى ” أشباح تمر أمامها تمشي وحدها وبدون هدف والبعض منها وبعض يحتضر على الأرض”. في ديسمبر 1946، ارتفاع شديد في درجة حرارتها ألزمها الفراش “أردت أن أكل الثلج. أتذكر في يوم قد تقيأت وعاء من الدم ” في هذا الشتاء، قال الطبيب لوالدتي بأنني لن أبقى على قيد الحياة.”

تسوتومو ياماغوتشي، توفي في 2010
نجا هذا الياباني من قصف هيروشيما في 6 أوت 1945، وكذلك من قصف ناغازاكي ثلاثة أيام من بعد. أمضى بقية حياته في مكافحة ألأسلحة النووية، قبل ان يموت بسرطان المعدة في 4 جاتفي 2010 عن عمر يناهز 93 عام. انه الشخص الوحيد المعترف به رسميا كناجي من الهجمتين النوويتين في أوت 1945.
كان تسوتومو ياماغوتشي ذو 29 عام في 6 اوت 1945، كمهندس في بناء السفن لشركة ميتسوبيشي، كان في هيروشيما منذ بضعة أشهر. وفي 6 أوت كان من المقرر أن يعود إلى أهله بناغازاكي. ولكن وهو في الطريق إلى المحطة، و إذ “بإينولا جاي” تسقط أول قنبلة ذرية في التاريخ. كان تسوتومو على بعد ثلاثة كم من مركز القنبلة. في وقت لاحق يقول أنه رأى القنبلة وهي تسقط. حيث فقد وعيه، احترق ذراعيه وجزء من وجهه حتى الدرجة الثالثة. قضى ليلته في مأوى مؤقت مع الناجين الآخرين. في اليوم التالي، 7 أوت، توجه إلى منزله في ناغازاكي. وفي يوم 9 أوت، تعافى نوعا ما من إصاباته، واستأنف العمل. بينما هو يحكي لزملائه الدراما التي عاشها وعانى منها قبل ثلاثة أيام إذ بالقصف النووي الثاني يضرب ناغازاكي. مرة ثانية، كان تسوتومو يوجد على بعد ثلاثة كم من نقطة الصفر. حيث يقول “اعتقدت أن السحابة التي هي على شكل فطر تلاحقني إلي هنا”، نجى تسوتومو مرة ثانية ولكن ليس من دون ألم.
النجاة من هجومين نووين لا يكون بدون أثار. كان تسوتومو طوال حياته، يعاني من جروح جسدية ونفسية. انه معترف به كهيباكوشا. ماتت زوجته وابنه الأول بالسرطان المعمم، مرتبطا بالإشعاع النووي. في 2005، أثارة وفاة ابنه الثاني نفسه وهو مقتنعا بأن الإشعاع هو السبب. يكسر تسوتومو صمت نصف قرن ثم يمضي في حملة ضد الطاقة النووية وهو في 89 من عمره. حيث كتب كتاب تحت عنوان “ناغازاكي – هيروشيما: مرتين ضحية الذرة ” ويزور الثاويات لتبليغ ذكرى ذلك الرعب إلى الأجيال الشابة. دعا في 2006 على منبر الأمم المتحدة إلى إلغاء الأسلحة النووية.

كيوكو حما وابنتها كويو طوبا
كيوكو حما 86 سنة، من الناجين من رعب القصف الذري في 6 و 9 أوت 1945 على اليابان. شهادتها تبدأ بالقصف الأميركي في 13 مارس 1945 على أوساكا. ثم تعرضت لأولى قصف ذري على المدن، قصف هيروشيما حيث تقول: “على الساعة الثامنة والربع صباحا رأيت ضوء قوي ينبعث. انهار منزلنا في نفس الوقت. حيث كانت القنبلة الذرية الأولى في العالم التي تستعمل ضد البشر”. برفقة والدتها وجدتها وجدت كيوكو نفسها في الشارع في مواجهة الرعب والجرحى. وتضيف:”كان لديهم بشرة سوداء، تتقشر، كما تقول. أنا كذلك كنت جريحة لقد أصبت بشظايا الزجاج. في اليوم التالي، تم تجهيز مكان للإسعافات الأولية. الكثير من الناس ينتظرون المساعدة الطبية مثل تلك الأم المحروقة التي تبكي طفلها الذي مات بين ذراعيها”.
الرحلة تتواصل وتتحرك أسرتها ابتداء من 8 أوت إلى ناغازاكي. حيث يتم قصف المدينة بقنبلة ذرية في اليوم الموالي. اثر ذلك فقدت كيوكو حما وعيها ثم دخلت في غيبوبة لمدة سنة تقريبا. كما تقول: “لدي مسؤولية للإدلاء بشهادتي ونقلها إلى أجيال الشباب من خلال إلقاء المحاضرات وتدوين شهادتي بفضل مساعدة ابنتي. اليوم، الضحايا هم إما في الشيخوخة وإما قد ماتوا. الحرب جحيم، تدمر الحياة والثقافات. أنا لا أتمنى رؤية الحرب مرة أخرى، سواء في اليابان أو في العالم كله. أتمنى السلام لكي لا تكون هناك أي ضحية”.

سرطان الغدة الدرقية، مرض ناجم عن الإشعاع:
إرث طويل لهيروشيما وناغازاكي

بعد سبعين عاما من التفجيرات الذرية على هيروشيما وناجازاكي في 1945، يواصل العلماء دراساتهم حول آثار الإشعاع على الناجين. وعليه، لقد تم نشر دراسة ، في هذا الإطار، في الدورية الدولية للسرطان والتي أجرتها أساسا المؤسسة الأمريكية – اليابانية للبحوث حول آثار الإشعاع، التي لها مختبرين في كل من هيروشيما وناغازاكي. حيث استغل العلماء بيانات متابعة الحالة الصحية من 1958 إلى 2005 لــ105.000 من الناجين من القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي. حيث تبين هذه الدراسة أن الأطفال الذين تعرضوا للإشعاع يحتفظون بخطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية لبقية حياتهم. لان خلايا الغدة الدرقية حساسة جدا للإشعاع وكثير من حالات سرطان الغدة الدرقية لوحظت بعد هيروشيما وناغازاكي و كذلك بعد كارثة تشرنوبيل في 1986. وعلاوة على ذلك يؤكد الباحثون على أن خطر الإصابة بهذا المرض لا يزداد عند الكبار (فوق 20 عاما) الذين تعرضوا للإشعاع في 1945. في المقابل، الأطفال والمراهقين الذين كانوا في مرحلة النمو في ذلك الوقت وتعرضوا لجرعات كبيرة من الإشعاع لديهم خطر أعلى بكثير للإصابة بسرطان الغدة الدرقية مقارنة بأولئك الذين لم يتعرضوا للإشعاع. إن سرطان الغدة الدرقية هو احد أهم أنواع السرطانات الحساسة للإشعاع. واحد الفرضيات هو أن الأنسجة الشابة للغدة الدرقية هي أكثر حساسية للإشعاع.
للتذكير، فإن الغدة الدرقية، غدة توجد على مستوى الرقبة، تنظم العديد من الأنظمة الهرمونية الهامة في الجسم. حيث تفرز الهرمونات الدرقية (T3 وT4) التي تدخل في عملية الاستقلاب في الجسم.
وقد تكون الغدة الدرقية هدف الأمراض المختلفة التالية:
– قصور الغدة الدرقية أو فرط نشاط الغدة الدرقية، اعتمادا على ما إذا كان إفراز هرمونات الغدة الدرقية هو استثناء غير كاف أو مهم جدا.
– سرطان الغدة الدرقية
– عقيدات الغدة الدرقية
– الأمراض الالتهابية للغدة الدرقية.

الدكتور ماساو توموناغا،
مستشفى الصليب الأحمر للقنبلة الذرية بناغازاكي
تستمر مستشفيات الصليب الأحمر بعد بضعة عقود من وقوع الكارثة النووية، في علاج الآلاف من الهيباكوشا. كل يوم، يكتشف الأطباء علاقات جديدة بين التعرض للإشعاع والأمراض الفتاكة.
حيث يصرح الدكتور ماساو: “حتى الآن، كنا نعتقد أنه لا توجد اي علاقة بين التعرض للإشعاع وأمراض القلب والأوعية الدموية. حيث مع التقدم في السن أصيب العديد من الناجين بالنوبات القلبية والذبحة الصدرية. أبحاثنا تشير إلى وجود صلة واضحة بين كمية التعرض للإشعاع و هذه الأمراض”. و تجدر الإشارة أن معظم الناجين قد تم علاجهم خلال سنوات طويلة في المستشفيات عن الضرر المادي الكبير والأثر النفسي. ويضيف الدكتور ماساو أن: “معظم المرضى كانوا أطفالا عندما انفجرت القنبلة. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، القلق حول الآثار في وقت متأخر للإشعاع يدوم منذ ان كانوا في العشرة من عمرهم. قد عرفوا القلق لا هوادة فيه في تشخيص إصابته بمرض سرطان الدم أو سرطان “.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

إغلاق