مسرحيات..لا تموت

أعمال مسرحية عديدة لا يفعل فيها الزمن فعله ،ولا ينسيك فيها سواء من الريبرتوار العالمي ، كما هو الشأن مع أعمال من المسرح الإغريقي أو أعمال شكسبير أو بريخت وآخرين ،

أعمال يمكنك أن تشاهدها أو تقرأها ،وكأنك تقرأ عملا لم تمضى علي كتاباته سنوات بل حتي عصور من الزمن ،تلك هي الأعمال المسرحية الخالدة التي تمكنت من مقاومة الزمن ،لأن فيها روح البقاء وأوكسحين الحياة وما يمدها بالإستمرار في الوجود..

في المسرح في الوطن العربي ،هناك فيه هو الآخر أعمال مسرحيات لم يفعل فيها الزمن فعله ،وما زالت تعيش معنا وكأنها ولدت اليوم ،أعمال طعمها كتابها بمادة الحياة أو بمادة الخلود الأدبي .

أعمال يتجدد إنتاجها من حين إلي آخر ،ونشاهدها ولا يفتر إعجابنا بها ،بل نشاهدها مرات وكأنها كتبت في الفترة التي نحيا فيها ،ونجد فيها ما في حياتنا من قضايا معاصرة ،

لأنها أعمال لم تكتب للحظتها يوم كتبت لأول مرة وإنما كتبت برؤية مستقبلية أو استشرافية أو لأن القضايا التي تتناولها تتجدد في كل مرة ،لأنها قضايا إنسانية ولا تخلو منها فترة من الفترات الزمنية ،

من بين مثل هذه الأعمال في الوطن العربي نحد مثلا مسرحية سكة السلامة للكاتب الراحل سد الدين وهبة ،سكة السلامة وبعد مضي 56سنة علي كتابتها ( كتبها وهبة سنة1964)بعد هذه الفترة ما زالت كأنها كتبت اليوم ،

كذلك بعد مضي 55سنة علي عرضها لأول مرة في المسرح القومي بمصر ومن إخراج المخرج الكبير الراحل سعد أردش(ـخرحها أردش للمسرح القومي في مصر سنة1965) وبعد مضي 45سنة كذلك علي إعادة إخراجه لها في المسرح الوطني الجزائري(أخرجها أردش للمسرح الوطني الجزائري سنة1975) وكان سنواتها مدرسا لمادة المسرح في مدرسة برج الكيفان بالجزائر .

وكذلك بعد مضي20سنة علي إعادة المخرج محمد صبحي لإنتاجها ، ما تزال كأنها كتبت اليوم وتشاهدها دون ملل .

عمل محمد صبحي ما زال يعرض في قنوات التلفزة بين الفينة والأخري ولم نمل من مشاهدته. ،في تجربته الأولي في إخراجها مع فرقة المسرح القومي المصري ،اعتمد أردش علي نجوم المسرح في مصر أيامها من أمثال سميحة أيوب توفيق الدقن شفيق نور الدين وغيرهم وفي إعادة إخراجه لها في الجزائر سنة1975 .

اعتمد كذلك علي نجوم المسرح الوطني الجزائري من أمثال كلثوم ويحي بن مبروك وعبد القادر بوقاسي وغيرهم تجربة محمد صبحي الذي أعاد في الحقيقة إنتاج أعمال أخري غير سكة السلام ونجح فيها ،اعتمد صبحي في سكة السلام في الأداء علي شخصه إلي جانب الإخراج وعلي نجوم أخري أمثال سيمون وشعبان حسين وآخرين

لماذا سكة السلامة ما زالت مأنها من أعمال اليوم

.أعتقد أن الموضوع الذي يطرحه أو طرحه وهبة فيه الذي منحها خلودها .ويمكن أن يزيد في عمرعا وأنها ستكون من الأعمال التي يصلح عرضها بعد أزمنة أخري .الموضوع الذي تطرحه هو التيه أو الضياع ، حافلة كانت متوجهة إلي شرم الشيخ تتوه بركابها في الصحراء الشاسعة، ويقدم وهبة مجموعة من النماذج البشرية هم ركاب هذه الحافلة التائهة ،نماذج يمكنك أن تجدها في كل الأزمنة ،هؤلاء الركاب لكل واحد منهم أخطاءه بعد ضياعهم في الصحراء ، يصبح الموت قريبا منهم إذ لا أمل في النجاة

.الإحساس بالموت يدفع بكل واحد منهم إلي الإعتراف بأخطائه،بذنوبه، ثم الإعلان عن التوبة والإقرار بإصلاح نفسه في حالة النجاة لكن حين ينحون من ضياعهم يتراجع بعضهم عن التوبة ويعود إلي مكان عليه من سيرته السابقة

.محمد صبحي في قراءته لهذا العمل حافظ علي خطه العام التيه في الصحراء ولم يضيف إليه الجديد بإسقاط بعض المستجدات في الحياة السياسية والاقتصادية في مصر أولا وفي الوطن العربي عموما ليعطي بذاك روحا جديدة للعمل.وإسقاطات صبحي السياسية خدمته وخدمت النص المسرحي وفي آن واحد خدمت صبحي الذي يحب أعمال المسرح السياسي ولذلك سيسه سكة السلام بالجديد ، لأن المسرحية سياسية بالأساس ولكن بعض المشاهد في عمل صبحي التي يمكن أن نقول أنها مباشرة أكثر من اللازم وكان متعمدا لذلك حسب قراءتي الخاصة مثل المشهد الذي يصرخ فيه بعد محاولة الإتصال بشركة النقل وإخبارهم بأن الحافلة تاهت بهم في صحراء سيناء

نراه يصرخ(نحن أبناءك يامصر ..نحن ضائعون . يا مصر نحن أبناءك يا مصر . نحن تائهون يا مصر.)مثل هذاالصراخ المباشر جدا كان لصبحي هدف وقد حققه .ومثل هذه.الاسقاطات قد يجد لها ضرورة أخري من يتعرض لإخراج هذا النص في المستقبل .

وقد يستبدلها بإسقاطات غيرعا من الزمن والوقت الذي تعرض فيه وفق المستجدات السياسية والإقتصادية والإجتماعية .مع الإحتفاظ بالتيمة الأساسية لأن النماذج البشرية التي يقدمها وهبة في هذه المسرحية نماذج تتواجد في كل الأازمنة.

أن سكة السلامة واحدة من الإعمال التي لم تكتب لمرحلة معينة وإنما كتبت لتقدم نماذج من البشر لها وجودها في كل العصور وتعرض موضوعا لا يموت كذلك هو التيه في الصحراء .وبذلك يتيح الكاتب سعد الدين وهبة للمخرحين قراءة النص دراماتوجيا وفق العصر الذي يعيشون فيه بكل ما فيه واسقاط قضاياهم في قالب المسرحية العام .

تلك في اعتقادي استشرافية الكاتب القدير وصاحب الرؤية الفنية الذي يكتب لكل الاجيال وليس لجيله فقط.

بقلم : علاوة وهبي

اظهر المزيد

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: