قراءة نقدية بقلم الروائى الناقد جايلى العياشى

الخطاب الشعرى فى رواية "فى ضيافة زوربا " للكاتبة حكيمة جمانة جريبيع

حقا من الشعر ماهو حكمة ،ومنه ماهو وحى ،ما إن انتهيت من قراءة رواية فى ضيافة زوربا ،حتى تذكرت الشاعر أحمد شوقى ،وماقاله أثناء الإعتداء الثلاثى على سوريا :

وبى مما رمتك به الليالى * جراحات لها فى القلب عميق

وقفت الكاتبة فى روايتها (فى ضيافة زوربا )على مشارف سوريا مذهولة تتطلع لإستنطاق الزمان ،الممتد فى عظمة المكان ،يشعر القارىء كأنها تتساءل بحسرة عن بأس ملكة تدمر ، وعن خلافة الأمويين وسطوتهم ،و….كيف تحول كل ذلك النسق الحضارى الضارب فى عمق التاريخ إلى ركام ، بل صار رمادا تعبث به رياح العناد …

ترى ماذا يفعل الواحد ، عندما يرى وطنه يندثر حرقا وآماله وطموحاته تتهاوى إلى مستوى أدنى من الصفر ،ماذا يفعل وهو لايقدر على اخماد ألسنة اللهب فيقف مشدوها بين ثنايا الوداع ،ممزقا بين حب الوطن والبحث عن موطن يلجأ إليه ،كانوا أربعة من مئات الآلاف الذين اختاروا العبور إلى ضفة أخرى عبر البحر ،بحثا عن النجاة ،لكن مع الأجل ليس ثمة حصانة للمكان ، فإن من استعلت عليه النار يلتهمه البحر ،وأن من أخطاءه الرصاص ، تقبض أنفاسه الحمى ،وأن الراقص على إيقاع الدبكة ،، يختلف تماما عن الرقص على إيقاع موسيقى زوربا

وقد أشارت الكاتبة إلى ذلك بقولها : كيف لى أن أراقص زوربا ، وأنت من تدعو للفرح فى عز الأزمة ،وكيف لى أن أرقص رقصة الدبكة ،وجسدى قد يبس من قطعة الخبزالحافية وعلبة الزبادى المتعفنة ،بالله عليك كيف يحلو لك الرقص على تخمة الوجع ، أعرفت الآن قد أختلف معك ؟للوجع أوجه وألوان ومقاسات ، ووجعنا بأوجه الخزى ، بألوان الفتنة بمقاس الكراسى التى علمتنا الوقوف لأن دمنا كان دوما مضخة لذلك الكرسى الهزاز ……ماذا كنت ستفعل لو سلبوك وطنك ؟

إن الخطاب الروائى مهما كان شكله ونوعه ،يتضح دائما بالعديدمن الصور الموجودة فى الواقع ، بل أن جنس الرواية ماهو إلا تحصيل حاصل لكل مايتخمر فى هذا الواقع من تفاعلات وماينتج عن ذلك من صور مشكلة ادة المسرود ،وعليه فلا جدوى من تأليف وتدوين الأحداث فنيا إن لم يكن لها أثر فى الحياة من جهة ، وأثر التطلع إلى التخلص من ماهية تلك التراكمات بكل ماتحمله من تصورات من جهة أخرى .

لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكسب تدوين الأحداث طابعا فنيا ، إلا بتحريك كل ماهو هامد فى الحياة ، وعلى حميع شخوص الرواية أن تتبنى هذا الأخير ، عن طريق توظيف الكاتب لآلية التخييل المؤدية إلى استشراف الرواية على المتخيل الشعرى ،الذى يضفى عليها صبغة الإمتداد الزمكانى ، ويعمل على تحريك الضمائر، فيجعلها شريكا قادرا على التصور والتخييل ، والدفع بحركة السرد نحو النمو تصاعديا ،المفضى إلى الصراع الدرامى مما يحفز المتلقى ، ويجعله منتجا للخطاب الروائى من جديد بشكل يتوافق مع ميوله وسعة وعائه الثقافى ، ويتجلى ذلك مدى قدرته على التأويل والتفسير والإفهام.

وليتحقق ذلك على كل شخوص رواية أن تشارك بشكل أو بآخر فى صنع الأحداث المتزامنة ،وتوليد الأفكار والدلالات ، وبذلك يتسنى لكل المساحات المتاحة أن تتفاعل ،وتتعالق فيما بينها ،كى تصنع أشياءها وتبنى الخطابات ،المتعددة والمتنوعة بين ضمير المتكلم والمخاطب ،التى تقضى فى نهاية الأمر إلى ضمير الجمع الذى يعنينا جميعا فى رواية فى” ضيافة زوربا ” لا يهمنا الخطاب الشعرى فى حد ذاته، ولا يشدنا الوقوف على نوعية الصور المشكلة فيه، ولكن من باب التوضيح ينبغى الإشارة إليه وإلى مدى مساهمته فى تشكيل الحكى الروائى فى النص .

يعتبر الخطاب الشعرى فى رواية ” فى ضيافة زوربا “خطابا متضمنا ، وهذا لا يستدعى منا الوقوف عنده من حيث التجنيس مادام يومئ بالشعرية التى تتخل السرد الروائى من حين لآخر ،دون أن تحدث خللا فى أبعاده الحكائية ، بل نلمس من خلال النص أنه يشارك فى إظهار خصوصياته الفنية .

ويتجلى النسق الشعرى فى رواية “فى ضيافة زوربا”من خلال تلك الصور الجميلة التى تنساق مع الخطاب الروائى ، مما أضفى على النص جمالا لا نظير له ، وساهم ذلك فى تعميق المعنى ، وإبراز الدلالات ، يبدو أن الكاتبة عمدت إلى استدعاء كل ماهو شعرى لخدمة الخطاب الروائى ، فكان سردها متعدد الملامح ، متنوع السياقات ،كقصيدة تناثرت كلماتها على الصفحات ، تعالول لنتطرق إلى ذلك بدءا من عتبة الإهداء

-إليك إنسانى الغائب ، وأنا أرقب عودتك من منفى الصقيع
-وبين جوائحك قلب استعاد وهجه المهرب
-عند ئذ أركض نحوك بطفولة الأرض
-وكفاى مخصبان بربيع الحب ——–الصفحة 08

نفس نجدها تتكرر فى الفاتحة النصية وفى أجزاء من فصول النص :

جفانى الإرتواء وجفوت ، بعدما أصبح مائى مرا ، بلالون واضح ، جرعات تزاحمها حمرة وصفرة ، كلما قربتها إلى فمى ، يلفظها حلقى ، حتى جف عودى ، وكذلك كان حال أهلى ——-صفحة 09

مابال هذا الرجل يتعمد فى رش ملحه على جرحى ، أنا من اعتقدت من قليل أننى شفيت ولو مؤقتا ، لامناص ، فالوجع يحاصرنى من كل الخيم المنتصبة على رقعة قلبى الموبوء بفجيعة البشر ،وأزمة الأرض التى تتأوه بأعماقى ——صفحة 21

…بدأت تراتيل روحى تعبث بى على مرأى هذا الرجل ، أيكون هو زوربا ؟

حدسى يقوا أن لى فيه شيء منه ، سمعته يغنى مرات ومرات ، تراه يرقص تلك الرقصة التى أداها زوربا ؟

هل لديك قدرة روحية كالتى كان يملكها زوربا ، وتتحرر فى وجعك ومن منغصات هذا العالم المادى ؟——صفحة 67
رفرف الصمت بأجنحة حريرية ، عبث من عرض الطاولة أكثر منهما ، فهما لم يمدا أيديهما إلى مشروب القهوة ولا الشاى .

كانت أصابع تيــــــا تتجاذب قطعة سكر —-صفحة 169

إن الخطاب الشعرى فى رواية “فى ضيافة زوربا”رسم لمشاهدحافلة بالصور الجميلة ذات المعانى العميقة ، مستمدا قوته من تلك التناقضات الواقعية التى امتزجت فى متون النص بفعل شعرية الخطاب الروائى لتتعاضد فيما بينها ، مشكلة فضاء ينبض بالحياة ، تفاعل فيه الجامد بالمتحرك ، والصامت بالناطق ، والمنطقى بالمشتعل ،والأعلى بالأسفل ، رافقته مرافعات شرسة ،مما جعل النص يسمو إلى أعلى المراتب الجمالية .

استطاعت الكاتبة بما تملكه من لغة باذخة ، ومن قدرات فائقة على التوظيف ، أن تسكب أفكارها فى النص ، وأن تحيك بأسلوب انسيابى مشوق ، عالما موازيا يفيض بالمشاهد المعبرة ،وقد تمكنت إلى حد كبير من تسليط الضوء على القيم الإنسانية المنتهكة، بما فى ذلك الحق فى الحياة

بالتوفيــــــق وتحية للكاتبة

اظهر المزيد

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: