قراءة نقدية بقلم الروائى الناقد جايلى العياشى

طفرة التجديدفى قصة الأراجوزاتى موسى والأخريات للكاتبة تركية لوصيف

ولع الأطفال بالخيال ، كشغف الكبار بالواقع

سيلينا الفتاة ذات القلب الأبيض ،المغلف بشرة سوداء،تبرعم عقلها قبل أوانه ،فانتزعت حب الأطفال عن جدارة ، وظلت تسعى من تلقاء نفسها للظفر بحب الكبار، كانت تقف دوما إلى جنب رفيقها موسى متذكرة حلم الصبا ،والأيام التى قضتها معه فى دار الطفولة المسعفة ،

كان يومها الطفل الوحيد الذى يؤنس وحدتها ،ويملأ خواءها ،تسعد كثيرا حين يجالسها ،ويتحدث إليها بشجن البراءة ،متسائلا عن سبب وجودهما فى تلك الدار مع أولئك الأطفال الذين تعايشوا مع الغبن بألوانه وطعمه ،واعتادوا عليه بجوارحهم ،حتى صار الجزء الأهم من حياتهم ،فهم مثلها لم يتذوقوا حنان الأمومة ولا عطف الأبوة،وكثيرا ماتستاء حين ينشغل موسى بغيرها ،كيف لا وهو الذى تنازل عن جراحه ليعوضها الفقدان ،لكن من أجل تحقيق مآربه .

كانت سيلينا اللؤلؤة الوحيدة فى تلك الدار ،وموسى الأشقر المطلوب من الأخريات لكنه ما إن وقع فى حب سيلينا ، حتى ، استعلى عليهن جميعا ،تتساءل الرفيقات الصغيرات ، كيف لطفلة سوداء أن تحظى بأشقر ،فتأكل الغيرة قلوبهن ،وبقدر مايتسع قلب سيلينا لحبهن ،كانت قلوبهن تضيق بها.

فى عيد ميلاد سيلينا تحدث المفاجأة ، موسى يتشظى حبا ، يبوح ويتصرف لإرضاء حبيبته : كعكة مستطيلة الشكل ، مرسومة بشريط أسود هدية منه لها ، لم ينس أن كل أسود كان ومايزال ملكا لسيلينا ،على إيقاع موسيقى صاخبة ، تجد سيلينا نفسها بين أحضان موسى ، ترقص له وتراقصه ،وهى ترتشف سيلا من القبلات لم تتعود عليها ،أجل أحبته مثلما أحبت مسرح الدمى ، بينما موسى كان يحبها لغاية فى نفسه.

وللأسف ينمو الحب فى غير موطنه ،وكاد أن يكبر فى فضاء لا يمن بالمشاعر ،فجأة تستيقظ المكيــــــــدة و ينهض الجشع ، وتطفو المؤامرة مع المغامرة على السطح ،فتتداخل خيوط الصراع وتتشابك بين الأطراف لينتهى الأمر باستحواذ نرجس على المال ، تنجو سيلينا بتدبير من عقلها الراجح دون أن تفقد حريتها ،بينما موسى يذهب ضحية نواياه ،ويواصل صاحب السفينة طريقه.

التشريـــــــــح

قيل فى الماضى أن العنوان هو تحية الكاتب للقاىء والطعم الذى يغويه ،وقيل أنه كلمة الترحيب التى يرسلها الكاتب إلى قرائه ،غير أنه ومع التطور العلمى والتكنولوجى أصبح للعناوين أهمية كبيرة لما لها من تأثير بالغ فى نفسية المقبلين على القراءة.

عندما يسمع القارىء عنوان (الأراجوزاتى موسى والأخريات)، يشتم رائحة المكيدة والتآمر ، فتستيقظ بداخله غريزة التطفل وحب المعرفة كما تدفعه هذه الإثارة إلى طرح تساؤلات عديدة ،قد يصب بعضها فى عمق محتويات النص.

إذ تتضح له تيمة النص من هذا خلال العنوان، وتتسع فى مخيلته رقعة الإحتمالات ، لذا فإن العنوان يعد فى نظرى هو العتبة الأولى ،التى ستسلم القارىء إلى داخل النص ، والإستدعاء المباشر ، الذى يدعوه للغوص فى طيات….

أعترف إننى لأول مرة أصطدم بنص من هذا النوع ،وهو من النصوص التى تستدعى تركيزا كبيرا ،وتأملا فى ذلك التزاوج الفنى ،الذى أحدثته الكاتبة بأسلوب رائع بين فن الكوميكس و فن القصة من حيث الأداء ، وهذه ظاهرة إبداعية جديدة فى كتابة القصة ، بل طـــــــــفرة نوعية يتوجب الوقوف عندها ، وتستحق التنويه… .

من يقرأ قصة (الأراجوزاتى موسى والأخريات) ، يشعر كأنه قرأ رواية ذات 200 صفحة من الحجم المتوسط ،وهذا راجع إلى تداخل الأحداث ، وقدرة الكاتبة على اختراع المشهد الناطق فى ظرف زمنى قصير.

هذا فضلا عن طريقة التناول المعتمدة من طرفها ، والتى ركزت فيها على أسبقية تشكيل المشهد المستفز ، الذى يساهم فى نمو الصراع الدرامى المتزامن تصاعديا نحو العقدة ،ثم يتهاوى تدريجيا نحو الإنفراج ، حيث كان المشهــــــــــــــد هو مايتحكم فى التدفق اللغوى ، كأن الكاتبة كانت تبدع بقلم وريشة ،وكانت الريشة تستبق القلم ،فتشكل المشهد أولا، ثم تكسوه بما يكفيه من اللغة .

فى النهاية أتوسم فى الكاتبة موهبة الفن التشكيلى

بالتوفيق وتحية للكاتبة

اظهر المزيد

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: