التخطي إلى شريط الأدوات
مساهمات

مفهــوم الثــورة في مسرح الطفل في اعمال السيد حافظ

القسم الأول

التعريف الإصطلاحى للثورة :

تعددت التعريفات التي تناولت تحديد هذا المصطلح، ويرجع ذلك لاستخدامه فى سياقات ومعاني عديدةٍ. ” حيث استخدم مفهوم الثورة بمعناه السياسي فى أواخر القرون الوسطى، كما استخدم فى علم الاجتماع للإشارة إلي التأثيرات المتبادلة للتغيرات الجذرية المفاجئة للظروف الاجتماعية والسياسية ، كما استخدم للإشارة إلى تغيرات جذرية تحدث فى مجالات غير سياسية كالعلم والفن والثقافة … وغيرها وذلك لأن الثورة تعني التغيير”.( )

وفيما يلي عرض لمجموعة تعريفات تناولت مفهوم الثورة :

“الثورة هي تغيير سريع فى بنية المجتمع كلها ، أو فى جانبٍ منها سلمًا بشكلٍ تدريجىٍ أو عنفًا يحسم الأمر بشكلٍ فجائيٍ”( )
ومن الواضح أن ” استخدام مصطلح الثورة فى المجال السياسي والاجتماعي أكسبه معانيٍ جديدةٍ تفيد فى التطور والنمو متضمنًا الحركة والنشاط ، “Evolution” وإضافة “Re” إلى “Evolution” جعلها تشير إلى التجديد والنمو والحركة ، وهذا يعني أن المصطلح صار يشير إلى حالة تحدث ضد السكون وتوقف الحركة والتطور “( ).

وعلى جانب آخر يرى ” علماء الاجتماع أن مصطلح الثورة هوفعل مادى يرتبط بتغييراتٍ ذات طبيعةٍ جذريةٍ للواقع الاجتماعي والسياسي والفكرى، كما يرتبط التغيير بالرغبة فى تحقيق أهدافٍ إنسانيةٍ نبيلةٍ كمطلب الحرية والعدالة والمساواة والارتقاء”( ).
وكذلك يعرف ” كرين برنتون ” الثورة فى كتابه ” تشريح الثورة ” بأنها عملية حركية دينامية تتميز بالانتقال من بنيانٍ اجتماعىٍ إلى بنيانٍ اجتماعىٍ آخر” ( ).

يقول “محمد عمارة” فى تعريف الثورة هي ” العلم الذي يوضع فى الممارسة والتطبيق من أجل تغيير المجتمع تغييرًا جذريًا وشاملاً ، والانتقال به من مرحلةٍ تطورية معينةٍ إلى أخري أكثر تقدمًا ، الأمر الذي يتيح للقوى الاجتماعية المتقدمة فى هذا المجتمع أن تأخذ بيدها مقاليد الأمور، فتصنع الحياة الأكثر ملائمةٍ وتمكينًا لسعادة الإنسان ورفاهيته، محققهً بذلك خطوةً على درب التقدم الإنساني نحو مثله العليا التى ستظل دائمًا وأبدًا زاخرةً بالجديد الذي يغرى بالتقدم ، ويستعصى على النفاد والتحقيق”.( )

أى أن الثورة تمثل عملية تغيير اجتماعي وسياسي حيث تضع أسسًا جديدةً ومغايرةً للنظام القديم ؛ لتبنى قواعد جديدة ، وتخلق وعيًا جديدًايساعد على التقدم . إذ أن الثورة لا يتحقق جوهرها إلا بتغير الإنسان ، وتطويره وتفجير طاقاته.
ويشير “ميجدال” إلى أن الثورة كمفهوم تمثل عملية من الحراك السياسي المتسم بالرغبة الجامحة فى تغيير الأوضاع وتسييرها نحو تلبية طموحات وآمال الجماهير ، سواء كان مسارها ميالاً أو غير ميالٍ للعنفٍ.( )

ويقول ” شعبان الطاهر الأسود ” أن الثورة تعتبر حركةً كليًة شاملةً تهدف إلى إحداث تغيرٍ أساسيٍ فى كيان وتركيب المجتمع ، ويكون هذا التغير سريعًا ومفاجئًا ويتناول قواميس الحياة بكل أشكالها فى الإطار الأيديولوجي للمجتمع حيث أنه يمتد ليشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، إلى جانب الحياة الفكرية والفنية ، بمعنى أنها تغيير شامل فى النظام والحكم والمبادئ وهي عمل من أعمال التحرر الإنساني ذات الطابع الاجتماعي ، هدفها القضاء على النظام القديم بكافة أشكاله قضاءً تاماً ( ).

وفى هذا الإطار يعرف ” إيرل وجيلباخ ” الثورة بأنها ” الخروج عن الوضع الراهن وتغييره – سواء إلى وضعٍ أفضلٍ أو أسوأٍ باندفاع يحركه عدم الرضا ، أو التطلع إلى الأفضل، أو حتى الغضب ” ( ).

إذن فالثورة هي انتفاضة أو هزة لمجتمعٍ بقصد إحداث تغييرٍ مصحوبٍ بأهدافٍ داخليةٍ لعل من بينها مواجهة قضايا فى المجتمع تتطلب حدوث تغييرٍ فى الكثير من جوانب الحضارة. ورغم اختلاف كل التعريفات السابقة التي تناولت تحديد مفهوم الثورة ، ” إلا أن هناك قاسم مشترك يجمع بين كل التعريفات ، وهو : اتفاقها على أنها نوع من التغيير الجذري العميق الذي يستهدف اكتشاف الأخطاء ، وعلاقات الظلم والقواعد الفاسدة فى حياة الأفراد والشعوب ؛ ليدمرها ويبنى مكانها علاقات سليمة تشيع العدل وتصنع التقدم ، و تعود الاختلافات بين التعريفات إلى اختلافٍ عقائدىٍ فى بعض الأحيان ، أو إلى اختلافٍ تخصصىٍ مترتبٍ على اختلاف تخصصات الباحثين العلمية فى أحيان أخرى.”( )

ومن هنا تتبنى الباحثة التعريف السابق لمفهوم الثورة على أنه يوضح مفهوم الثورة بشكلٍ عامٍ وهذا غرضنا من هذه الدراسة.
وفى الحقيقة إن مصطلح الثورة لم ينفرد وحده بالدلالة على تلك المعاني التي أشرنا إليها فى أنه العلم الذى يوضع للممارسة والتطبيق من أجل تغيير المجتمع تغييرًا جذريًا وشاملاً فقد شاركته فى الدلالة على هذه المعاني ، أو بعضها مصطلحات أخري مثل الإنقلاب والتمرد والتغيير وغيرها…( )، ومن هنا يمكننا التطرق إلى توضيح العلاقة بين مفهوم الثورة وغيره من المصطلحات ، كالتمرد والانقلاب والتغيير.

أولاً : التمرد والثورة :

يتداخل مصطلحي الثورة و التمرد فى كثيرً من الأحيان ؛ نظرًا لتشابه الأهداف والاتجاهات ، وغالبًا ما يوصف التمرد على نحوٍ مضللٍ بأنه ثورة لذا يجب علينا أن نحدد مفهوم التمرد أولاً كالتالي :

إن لفظ ” تمرد” Revolt” فى اللغة الفرنسية يعني الفعل الجماعي الذي ترفض بواسطته مجموعة معينة السلطة السياسية الموجودة أو القواعد الاجتماعية القائمة ، ويدل أيضًا على حالةٍ من الفكر يرفض من خلالها فرد كل سلطةٍ تحد من حريته ” ( ).
وبالتالى فالتمرد أيضًا هو “مظهر من مظاهر العنف الشعبي يقوم به المواطنون ضد النظام القائم بهدف ممارسة الضغوط على النظام للاستجابة لمصالحٍ معينةٍ لهذه القوى” ( )

وبالإضافة لذلك يعتبر التمرد ” رفض طاعة الأوامر ، كما أنه مجموعة من السلوكيات التي تهدف إلى تدمير سلطةٍ، أو إحلال سلطةٍ محل السلطة القائمة، ويمكن أن يكون التمرد بدون أساليب عنيفة مثل العصيان المدني ، وقد يشمل أساليب عنيفة ” ( ).
ويعرف ” سوكول ” التمرد على أنه “نمط من أنماط السلوك الاجتماعي الموجه إلى أشكال السلطة المختلفة ومظاهر النفوذ ، للخروج عليها وإعادة بنيتها وسمات مظاهرها بالشكل الذى يخدم الفاعلين ، ويحقق أهدافهم ويعيد إليهم قدرًا من السلطة والنفوذ ” ( ).

من خلال ما سبق يتضح أن التمرد يشترك مع الثورة فى رفض الواقع السائد والسلطة الحاكمة ، والتحرر من كل القيود وتغييرها نحو الأفضل ، ولكن التمرد يختلف عن الثورة فى تحقيقه لمكاسب خاصة لفئات معينة من الناس بعكس الثورة التي تهدف إلى تغيير الجماهير ككل.

” لكن بصفةٍ عامةٍ تبدأ كل ثورةٍ اجتماعيةٍ بعملية تمرد تقوم به جماعة من الأفراد ، ثم تستقطب مجموعاتٍ أخري من الناس حتى تعم أغلب الفاعلين الاجتماعيين وتنظم تمردهم”.( )

ويكمن اختلاف التمرد عن الثورة فى أنه غالبًا ما يكون ” انتفاضةً عفويةً تستهدف تغيير التيارات أو السياسات أو حتى المؤسسات ، لكنه نادرًا ما يشتمل على جهودٍ تسعي للتأثير على البنى والمعايير والقيم المجتمعية الكبرى على نحو مباشر ، في حين أن الثورة هي جهد واعٍ تقوم به جماعة من الناشطين المتمتعين بقاعدةٍ عريضةٍ ، يتم حشدها بشكل رسميٍ أو غير رسميٍ؛ بهدف إحداث تحولٍ عميقٍ فى المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحكم حياة هؤلاء الناشطين ، والهدف هو التغيير الجوهرى للشروط المادية والأيديولوجية لحياتهم اليومية”.( )

إذن التمرد يركز عادة على إصلاح خللٍ معينٍ ، ويتخذ فى ظروف صعبة من قبل فئاتٍ معينةٍ يعتبرون أن مطالبهم وخياراتهم محدودة ، أما الثورة فيقودها الشعب ويخلقها وينشئها الشعب بوعيٍ وعن قصدٍ، ويحارب ويموت من أجل تحقيق أهدافها فى التغيير.
ومن خلال ما سبق يتضح أن الثورة حركة شعبية ضد أي سلطة فاسدة، وتسعي دائمًا للتغيير ، أما التمرد فهو ممارسة للعصيان ، والخروج عن الأعراف وتحدى للنظام دون تدميره والإيقاء عليه ، وهو أيضًا لا يكتسب قوته إلا إذا انتقل من التمرد الفردى إلى الثورة الجماعية ، وهنا يهدف للتغير وبناء نظام جديد.

يؤكد ” تيدجار” أن الشرط المسبق للتمرد والعنف هو ” الحرمان النسبي” وهذه الظاهرة نظرًا لأن دلالتها لا تبرز لمن يعانيها الإ عند مقارنة وضعه بالآخرين ، فإنها تؤدي إلى شعور الفرد بالإحباط والإضطهاد بحيث يصبح مستودعًا للسخط ، يساهم فى خلق حالةٍ من السخط العام على مستوى الجماعة ، مما يؤدي إلى عنفٍ ضد النظام القائم وقيادته ، ولكن مثل هذا التطور ليس حتمياً أو آلياً فقد يتم توجيه مشاعر الإحباط والاضطهاد هذه إلى وجهة أخري ؛ لكي يتم هذا التطور إلى حد العنف والتمرد فلابد من توافر عواملٍ معينةٍ منها : الوعي أولاً والقيادة ثانياً والتنظيمات ثالثاً ، ويقصد بالوعي هنا القدرة على إدراك الواقع وألمه وإمكانياته للتغيير ومساراته ، وتبرز هنا أهمية وجود ايديولوجيات تؤكد أن النظام القائم هو المسئول عن مثل هذه الآلام ، بحيث تقدم هذه الايدلوجيات للجماعة الساخطة الشعور بالانتماء فى إطار يخالف النظام القائم ، ويشير البعض لهذه الإيديولوجيات بثقافة الفقر التي تعد عاملاً هامًا فى نمو الوعي بين الجماعات الساخطة ، وفي تحريك العنف والتمرد ضد النظام القائم.( )

ويشير ” دافيز ” أن الثورات تسبقها عادة فترة من النمو الاجتماعي والاقتصادي تؤدى إلى ارتفاع مستوى الطموح ، يليها فجأةً انهيار حاد يؤدي إلى انخفاض القدرة على الإنجاز.( )

كما يقول “محمود الضبع” أن ” الثورة ترتبط فى جوهرها بالوعى الإنساني فالإنسان المفتقد لوعيه لا يمكن له أن يثور ، وعلى النقيض كلما نما وعيه وتعمق نما لديه الشعور بالثورة ، ذلك لأن وعيه يجعله يتخذ موقفًا من الحياة العامة من حوله ويساعده على أن تكون له نقاط ارتكازٍ ينطلق منها ويناضل من أجلها”( )

ومما سبق يتضح أن التمرد يتم عن طريق الحرمان ، وهذا الحرمان لا يصل إلى درجة التمرد إلا من خلال الوعي بألم الواقع وفساده واستبداده ، وإذا كان التمرد يتطلب بعضًا من الوعي، فإن الثورة أيضًا قد تسبقها فترة من الوعي الاجتماعي والثقافي تطالب بالتغيير حتى تصل للانفجار ومنه إلى الثورة.

ثانياً : الثورة والانقلاب :

الانقلاب هو ” انتقال السلطة من يد فئة قليلة إلى يد فئة قليلة أخري تنتمي إلى نفس الفئة الأولي التى كانت تسيطر على الحكم، وذلك باستخدام وسائل العنف الرسمية دون إحداث تغيير فى وضع القوى السياسية فى المجتمع، أو فى توزيع عوائد النظام السياسي فيه، بمعنى أخر هو تغيير فى أوجه حال الحكام دون تغير فى أوجه وأحوال المحكومين “.( )
والانقلاب أيضًا هو “قيام السلطة الحاكمة أو جزءٍ منها بتغيير نظام الحكم القائم بطرقٍ غير شرعيةٍ “.( )
ومن ثم فهناك فروقُ واضحةُ ُ بين الثورة والانقلاب وهي كالأتي :
أن “الثورة الحقيقية يقوم بها ويدعمها الشعب فى سبيل المضي قدمًا لتحقيق أهدافها فى رفع الظلم والعسف والجور الذي مورس عليه ، أما الانقلاب فهو نوع من أنواع التمرد من جانب جماعة من العسكريين ضد الهيئة الحاكمة للقبض على زمام السلطة، وتسيير الأمور كما تشتهى أنفسهم دون تفكيرٍ فى رفع الظلم والجور الممارس على الشعب “.( )
ومن هذا المنطلق يتضح الفرق بين المفهومين فالثورة هي تغيير جذري فى المجتمع يقوم به الشعب من أجل أن يسترد حقوقه ويحقق العدالة للجميع ، أما الانقلاب فهو إحداث تغيير فى النظام والأشخاص الحاكمة لا يصاحبه تغيير فى حياة الشعب ، فهو بمثابة حركة للاستيلاء على السلطة ، بعيدةٍ عن الشعب.
وفى الحقيقة إن ” معرفة الثورة تكمن فى الأهداف الحقيقية التي تقف وراء تغيير السلطة القائمة فالثورة يقوم بها فريق من الشعب ، وتعبر عن ميوله واتجاهاته ، فى حين أن الإنقلاب يرمى إلى مجرد قلب نظام الحكم ، وإحلال سلطة محل أخري وذلك للاستئثار بالسلطةٍ دون إحداث تغيير سياسي اجتماعي أو اقتصاديأو قانوني حقيقي “. ( )
إذن الثورة هي القيام بعملٍإنقلابي فى واقع ، الناس يهدف إلي إحداث بعض الهدم فى مقابل بعض البناء فى ذلك الواقع وبهذا تكون الثورة هدمًا وبناءً فى الوقت نفسه.
فالثورة الحقيقية تختلف عن الانقلاب ” فالثورة تهدف إلى إسقاط السلطة القائمة من خلال استقطاب جزءٍ منها لإقامة نظامٍ اجتماعيٍ جديدٍ، أما الانقلاب يسعي إلى تدعيم النظام القائم بالأمر الذي يجعله معزولاً عن الجماهير وحركتها فهو بذلك يعبر عن صراعاتٍ بين قوى السلطة القائمة ومواجهة حركة الجماهير ، أما الثورة لن تقوم الإ بحركة غالبية الجماهير ووعيها وتنظيمها وإرادتها في تجاوز الوضع الراهن”( ).
إذن نستنج أن الثورة خلاقة قادرة على تغيير طريقة حياة المجتمع الذى تقوم فيه ، إما الإنقلاب فلا يمتلك القدرة، وإنما يقوم أساسًا من أجل الحكم والتسلط.
ومن هنا يمكن القول بأن الثورة تقوم بالشعب، ومن أجل مصلحة الشعب؛ لرفع الظلم والاستبداد ، بينما الانقلاب تقوم به جزء من السلطة الحاكمة من أجل مكاسب ومصالح ذاتية دون النظر لمصالح الشعب.
ثالثاً : الثورة والتغيير :
” التغيير الاجتماعي هو كل تغييرٍ يطرأ على البناء الاجتماعي فى الوظائف والقيم والأدوار الاجتماعية خلال فترةٍ زمنيةٍ محددةٍ ، وقد يكون هذا التغير إيجابيًا أو سلبيًا ” .( )
ويضاف إلى ذلك أن التغيير أيضًا يعنى ” التَبدُل ، والتبدل قد يشمل الأفراد وقد يشمل الجماعات ، بل يمتد إلى الأنظمة والحكومات ، والتغيير الاجتماعى يشير إلى ظروف طارئة تعمل على استبدال الوضع القائم بوضعٍ جديدٍ مخلفًا ما كان عليه النسق الاجتماعى قبل الوراء، والتغير هو واقع موجود وماثل أمامنا نراه فى شتى مناحى الحياة ، فهو حقيقة مجتمعية”.( )
ويشير “ماركوف ” إلى أن التغيير “هو حتمية جوهرية تتمتع بها المجتمعات ذات السمة الدينامية والطامحة إلى تحقيق المزيد من التقدم والتطور والاستقرار الاجتماعى” ( )
ويعتبر التغيير الاجتماعى ” ظاهرة من أهم الظواهر الاجتماعية التى تميز المجتمعات البشرية ، والتى اكتسبتها من خلال ممارستها لعملية الحياة بصورةٍ مستمرةٍ لا تعرف الاستقرار؛ ذلك لأن الطبيعة الدينامية للمجتمع تقتضى تعديلاً وتغييرًا مستمرًا فى عناصره المكون له ، لذا يعتبر التغيير أحد مظاهر هذه الدينامية ، إذ أنها تؤدى إلى انحلال بعض العلاقات والنماذج والسلوك التى كانت تعتبر جزءًا من الهيكل الاجتماعى لتحل محلها نماذج جديدة. ( )
ومن هنا يتضح أن التغيير ما هو إلا تعديلات تحدث فى العلاقات الاجتماعية والنظم والبناء الاجتماعى القائم من أجل إقامة علاقاتٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ.
” إذا كان التغيير فى المجتمعات منه ما هو سلبى وما هو إيجابي ، فإن ما يهمنا هو التغيير الإيجابي، أو التغيير إلى الأحسن والأكمل والأشمل وهذا ينقسم إلى نوعين

(أ) تغيير إيجابي بالتدريج. (ب) تغيير إيجابي سريع

ان هذا التقسيم قد وضع على أساس اختلاف عامل الزمن فى الحالتين، ففي الحالة الأولي لم يتم التدخل لتقصير الزمن، والإسراع بإنضاج الحادثة وتركت عملية التغيير حرة حتى أتمت نضجها وحدها ، لكن هذا النوع من التغيير لا علاقة لعلم الثورة به ولا يقع فى مجاله بل هو مجال علوم إنسانية أخرى ، أما الحالة الثانية يقوم الإنسان فيها بضغط الزمن وتقصيره حيث يتدخل تدخلاً مباشرًا فى توجيه سير الأحداث ، والتأثير عليها بما ينتج عنه حدث ما كان ليقع لو ترك يسير دون تدخل وهذه الحالة الثانية هي مجال دراستنا للبحث عن مفهوم صحيح للثورة ، إذن فالمقصود “بالتغيير الثورى” هو التغيير الذى يحدث عن طريق تدخل الإنسان فى الظروف لتوليدها فى إطار زمني محدد أقصر من الزمن الاعتيادى لولادتها”.( )

أما إذا نظرنا إلى الثورة نراها تمثل تغييرًا فجائيًا للقيم الأساسية فى المجتمع وعلى هذا الأساس فإن ” التغيير الثورى” يكون فجائيًا وسريعًاللنظام القائم وقواعد تنظيمه ، لذلك نجد أن الثورة تعتبر أكثر الأشكال جذرية وتطرفاً فى إحداث عملية التغيير الاجتماعي الذي يشتمل على جوانب كمية ونوعية إلى جانب شموليته لكافة نواحي الحياة الاجتماعية… فهذه التغييرات بجانبيها الكمى والنوعى هي التي تهدف الثورة إلى إحداثها. ( )

وبالتالى إن كان التغيير من شأنه تحطيم القواعد والأحوال الأساسية فى المجتمع فإن الثورة هي تغيير جوهرى فى بناء المجتمع ككل ، وبالتالي فإن أي رد فعل تتخذه الثورة تجاه تبديل أى مكونٍ فاسدٍ من مكونات المجتمع فهو يعد تغييرًا.

ومن هنا فإن ” الثورة تعنى التغيير نحو الأفضل وذلك من وجهة نظر القائمين بها ولكن التغيير إذا كان عشوائياً وليد الصدفة وحدها فإنه يرتب عليه آثارًا ضارًا بالمجتمع حاضره ومستقبله بحكم افتقاده لأهداف واضحة وعدم ارتكازه على أسس قوية ، وإذا كان التغير منقوصاً معتمداً على جانب واحد فى العملية السياسية دون أن يشمل باقي الجوانب فإنه يصبح مجرد خطوة لا يدرك مايليها من خطوات، ويتحول إلي وسيلةٍ لتحقيق مصالحٍ ذاتيةٍ لفردٍ أو لجماعةٍ أو لفئةٍ محدودةٍ فى المجتمع”.( )

ولذلك ” لابد أن تحتوى الثورة على مجموعةٍ من قوى التغيير الاجتماعي ؛ لكي تحطم الحاضر الذى أتت عليه ، أي أنها تعيد البناء الاجتماعي بطريقة تختلف عن الماضي الذى كان سائدًا ولم يعد مقبولاً. على أن الثورة الفاعلة دائمًا لديها القدرات المختلفة على إحداث تغيرات جوهرية داخل القاعدة العريضة من جماعات المجتمع الذى قامت فيه الثورة” ( ).

” و تعد الثورة استهدافًا لتغييرٍ المجتمع تغييرًا جذريًا ، يتسلح بالعلم ويستند على حركة الجماهير النشطة”.( )

ويتضح مما سبق أن ” الثورة تهدف إلى تغيير النظام القائم ، وتغيير السياسات التي ثبت فشلها من أجل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية ، إذن فالتغيير الاجتماعي هدف من الأهداف الرئيسة والأساسية لقيام أي ثورةٍ ، وهو أيضًا هدف لكل ثورةٍ تسعى إلى إحداث تغييرات فى بناء المجتمع الذى تقوم فيه”.( )

إذن هناك ارتباط وثيق بين الثورة والتغير حيث لا توجد ثورة بدون تغيير فإذا حدث ذلك أصبحت ثورة غير مكتملة ، لذا فشرط أساسي من شروط تحقيق الثورة هو تحقيق التغيير فى كافة جوانب الحياة.
بناءً على ما سبق تستطيع الباحثة أن تحدد تعريفًا إجرائيًا لمفهوم الثورة كما يلى :

التعريف الإجرائى للثورة:

تعرف الباحثة الثورة بأنها تعني رفض لكل الأوضاع والنظم والأفكار المهيمنة فى مجتمع ما، تصحبه رغبة فى تصحيح تلك الأوضاع والأفكار لتحقيق نظم جديدة تنادى بضرورة التغيير للقضاء على تلك الأوضاع المرفوضة وتغييرها من الأسوأ إلى الأفضل، مما يتطلب فعلاً ثوريًا يتحقق على أرض الواقع ، ويهز البناء الاجتماعي والاقتصادي القائم ويعنى هذا أن الثورة تتطلب مراحل أساسية هي:
1- رفض الأوضاع القائمة.

2- الوعي بعلاقة هذه الأوضاع المرفوضة بالبناء الاجتماعي القائم والنظام السياسي المهيمن.

3- رغبة لدي الجماهير فى تغيير هذه الأوضاع المرفوضة .

4- فعل ثورى يؤدي لإحداث تغيير فى بناء المجتمع ، وهذا الفعل قد تقوم به جماعة ثورية محددة وتدعمه الجماهير أو قيادة فكرية مثيرة للثورة ، أو الجماهير ذاتها.
ومن هذا التعريف الإجرائي سوف توضح الباحثة مفهوم الثورة ومراحل تطورها للكاتب السيد حافظ من خلال النصوص المسرحية المختارة عينة الدراسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: