مساهمات

جماليات الترميز في قصة بأجنحة أحبتي.. حريتي أو جنتي، للكاتبة حفيظة ميمي

قراءة نقدية بقلم الروائي الناقد جايلي العياشي

مجموعة قصصية تحت عنوان:( ممنوع قطف الأطفال)، تناولت فيها الكاتبة حفيظة ميمي حقبة تاريخية معينة، حيث نقلت للقارئ وبكل صدق صورا حية عن معاناة الجزائريين، وأعطت رأيها في الكثير من المواقف، التي مر بها الوطن والمواطن على حد سواء في تلك الفترة، فكان الوطن بالنسبة لها مصدر إلهام، و المنطلق الوحيد لكتابة القصة،

و قد عانقت نصوصها شموخ المرأة الأوراسية في كبريائها و صمودها، المرأة التي حبكت خيوط ملحفتها من ذلك الامتداد الزمني في عظمة المكان، فهي لم تنحن يوما لتلتقط ما سقط منها، بل ظلت عبر العصور منتصبة،تنتزع الحق من قبضة الغزاة باستعلاء، و لفرط ما دللها التاريخ نكاية في الجغرافيا، تدلت قدماها من على القمم.

الغلاف: جاء مشكلا من ثلاثة ألوان تمثلت في الأسود و البرتقالي، يتوسطهما رسم لطفلة باللون الأحمر، تبدو محملة بالبشائر، مما يوحي بالرغبة في استمرارية العطاء ، و مواصلة الدفاع باستماتة عن الحق في الحياة دون انقطاع، ثلاثية لونية، تناغمت في الدلالة و تناسقت في المعنى.

من بين قصص المجموعة (ممنوع قطف الأطفال)، وقع اختياري على قصة ( بأجنحة أحبتي.. حريتي أو جنتي) تناوب فيها على الأدوار عدة شخوص أبرزهم: أم الخير، و حورية، و جميلة و آخرين:

العنوان: يعتبر العنوان في نظرية النص الحديثة عتبة قرائية، وعنصرا هاما من عناصر الموازنة التي تساهم في تقديم النص على طبق شهي، فالعنوان في نظر النقاد يحدد هوية النص، و يشير إلى مضمونه، و يثير شغف المتلقي للقراءة.

قال جيرار جينيت: إن العنوان يوضع على رأس النص، ليحدده و يدل على محتواه، و لإغراء الجمهور المقصود بقراءته، و هذا ما حققته الكاتبة بحرفية نادرة، و بترميز فني في غاية الدقة و الجمال، حيث استطاعت أن تختزل نصها بكل ما فيه من قيم إنسانية في أربع كلمات: ( بأجنحة أحبتي… حريتي أو جنتي)

الفاتحة: استهلت الكاتبة نصها بـ ( و إذا الجنين سئل بأي ذنب و أمه قتلا…)، استلهمت ذلك من الآية الكريمة: ( و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت) الآية 08 من سورة التكوير، وهذه دلالة واضحة، تؤكد أن الكاتبة مزودة بثقافة دينية أيضا، ساعدتها على تأثيث نصها من الناحية المعرفية من جهة، وإبراز قدراتها على التوظيف و التناول من جهة أخرى.

اعتمدت الكاتبة في تمرير أفكارها خطابا مزدوجا، ترنح تارة بين التصريح و التلميح، و تارة أخرى بين التقرير و التضمين، و استعانت في أكثر من موقف بأسلوب الترميز، الذي أعطى لنصها الأدبي سلطة و فخامة، وأضفى عليه هيبة شرعية، يسيطر فيها الجمال الفني النفيس على القارئ. أذكر بعض مواطن الترميز التي وردت في النص على سبيل المثال لا الحصر فيما يلي:

01 ـ وجه الشبه بين الورق و اللحم، و بين الحبر و الدم…
02 ـ فتشوا جيوبهم و جلودهم حتى خلاياهم…
03 ـ يخلطون السكر بالملح، و الزيت بالصابون…
04 ـ لماذا يثير الكسكس أعصابهم، ألأنه تراثا عريقا على الموائد؟
05 ـ الموت موتان، و الجوع موت آخر أشد…
06 ـ دققوا في وجه الشبه بين التجاعيد و الطين، بين ماء العيون و ماء البئر، وبين انحناء الظهر و الجدار…
07 ـ بحثوا عن أصل و فصل الحيوانات، كم باضت هذه الدجاجة، أسماء المعز، و لماذا ينهق الحمار..
 08 ـ يشنون حربا على البهائم
09 ـ الحمل المدجج بالأسلحة ـ الرضيع المقمط بالمناشير، و….

الترميز في الأدب هو عبارة عن حركة أو إشارة أو تعبير متضمن لفكرة ما، يحدث أن تخالج الذات البشرية، فيحاول الكاتب أو الفنان نقلها إلى المتلقي بأسلوب أدبي ينضج بالجمال. علما أن هذه النزعة الفنية تأسست لها مدرسة تسمى المدرسة الرمزية، جاءت كرد على المدرستين الواقعية و الرومانسية.

يتضح أن الكاتبة باعتمادها هذا الأسلوب أن تسقط الوجه الآخر للتاريخ على الواقع، و قد نجحت إلى أبعد الحدود في نقل أفكارها إلى المتلقي.

تحية للكاتبة و لجريدة المسار العربي على النشر و التوثيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات