مساهمات

أزمة التناول و التوظيف في رواية كولاج للكاتب أحمد عبد الكريم

بقلم الروائي الناقد جايلي العياشي

علي الجنوي الفنان التشكيلي، الذي ما انفك يستمد إلهامه من العزلة، و شغفه من قهوته المعتقة التي لا تفارقه أبدا، حيث يقضي يومه مترنحا بين تجانس الألوان و تباينها، و بين تداخلها وتناسقها أحيا أخرى، يغازل لوحاته بضربات لونية خفيفة، ثم يتأملها من بعيد كأنه يضفي عليها اللمسات الأخيرة بطول النظر.

بينما كان منهمكا في مرسمه، فاجأه ضابط الشرطة محمود بزيارة لم يكن يتوقعها، لم يوجه له استدعاء، بل شبه دعوة، كان لا يدري كيف وجد نفسه محل مساءلة، و هو الرجل الذي قضى حياته منزويا في مرسمه، بعيدا عن كل ما يحدث في الحياة من توترات و تفاعلات.

في اليوم الموالي، و بعد إجراءات روتينية على مستوى مركز الأمن، وجد علي الجنوي الصحفي المحقق نافري في انتظاره بالفندق، حيث دار الحديث بينهما حول عمل فني تعرض للسرقة من متحف أيا صوفيا باسطنبول، و هو عبارة عن نسخة من كتاب هدنة تمت بين الروم و العرب المسلمين خلال العصر العباسي، كتبها الخطاط المشهور بن مقلة بخط يده،

إلا أن علي الجنوي حاول أن ينكر ذلك صمتا، لكنه وقف مشدوها عندما واجهه المحقق نافري بصورة له مع زميله عابد الجيلالي،

تم التقاطها في معرض موريغرافيا بباريس أمام لوحة:( تأبينية أبي علي). يتواصل التحقيق الصحفي بوتيرة سردية رتيبة، تكاد تكون نسخة طبق الأصل للتقريرالذي سيحرره المحقق نافري في نهاية رحلته،

و قد تخلل ذلك بعض التجوال في الصحراء الجزائرية، ليتضح في نهاية الأمر أن العمل الفني الضائع هو مجرد نسخة مزورة، و رديئة من كتاب الهدنة الأصلي الذي أبدعه بن مقلة، كانت تستعمل لاستدراج السياح و الباحثين إلى معالم اسطنبول.

جرت أحداث الرواية بين الجزائر، و فرنسا، و العراق، تناوب على الأدوار أكثر من عشرة شخوص نذكر أهمهم: علي الجنوي، الضابط محمود، عابد الجيلالي، نافري، زياندا، سعيد السماوي، عثمان، محمد السعيد، ناجي هلال، نعيم الشطري، و آخرين.

جاء الغلاف بلون رمادي فاتح، مزين بخطوط مبعثرة، و كتابات غير واضحة. في أعلاه كتب إسم الكاتب، و أسفله عنوان الرواية الكل باللون الأسود، أما كلمة رواية كتبت بلون أبيض داخل
مساحة شبه دائرية ذات لون أخضر، بينما لافتة دار النشر كانت عبارة عن مستطيل أسود، كتب عليه اسم الدار باللون. يستشف أن الألوان متقاربة من حيث كونها من تشكيل أساسه لون واحد مضافا إليه الأبيض، كانت رباعية لونية تقاطعت مكونتها في الدلالة و المعني.
عتبة الإهداء: استغنى الكاتب عنها لأسباب هو أدرى بها، لكني أرى لو أنه تقدم بالإهداء لمن يراه جديرا بذلك، لكان أبلغ و أجمل من الاعتذار في نهاية الرواية. بحكم إن أي عبارة تأتي في بداية النص تساهم دون شك في بناء اللاحق، و أن كل ما يأتي في نهايته قد يفضي بشكل ما إلى هدم السابق سواء بالشرح و التفسير، أو بالتأويل.
الفاتحة النصية: استهلها الكاتب برأي عالم الرياضيات اليوناني إقليدس الذي قال: ( إن الخط هندسة روحانية، و إن ظهرت بآلة جسمانية)
و جمع عدة أقوال تتعلق كلها بالقدرات الإبداعية لابن مقلة في فن الخط، و عن مصير يده التي خدمها بها الخلافة مرارا، و كتبها بها القران مرتين، و في نهاية المطاف تقطع كما تقطع أيدي اللصوص، و ترمى في نهر دجلة.
إن ما تفضل به الكاتب من تقديم حول الخطاط بن مقلة، كان جانبا معرفيا يجهله الكثيرون، لو أنه اكتفى بتناوله ضمن السياق السردي لكان أجمل، لكن بهذه با تباعه الطريقه، يكون قد أحدث عطبا فنيا في جسد النص، مما أدى إلى تقطيع في وتيرة الحبل السردي، و إفساد عنصر التشويق،وجعل النص بفقد نكهته، الأدبية، و هذا يعتبر ذلك إخفاقا في طريقة التناول و التوظيف، هذا فضلا عما ذكره في الصفحة 18 : ( باختصار شديد هناك أثر فني اختفى، أو لنقل سرق من متحف آيا صوفيا بمدينة اسطنبول، هو عبارة عن نسخة أصلية من معاهدة تمت بين البيزنطيين و العرب المسلمين في العصر العباسي، و قد كتبها خطاط مشهور يسمى بن مقلة…)
بينما جاء في الصفحة 22 و صفحات أخرى ما يلي: ( اسم الأثر الفني كتاب هدنة بين العرب و الروم” خط عربي”، تاريخ إنجازه: الفترة ما بين 883 ـ940 هـ، أنجزه أبو علي بن مقلة، تاريخ السرقة بين 14 ـ 20 أفريل2010 ، سرق من متحف اسطنبول بتركيا).

عندما نقارن نجد أن الهدنة في الصفحة 18 تمت العرب و البيزنطيين، و في الصفحة 22 وصفحات و ما بعدها تمت الهدمة ما بين الروم و العرب.

نستنج من التقديم حول بن مقلة، و من التباين في وصف طرفي الهدنة، أن الكاتب قد أخفق في طريقة التناول و في التوظيف المعرفي.

إن من يقرأ رواية كلاج ـ الحائزة على جائزة الجزائر تقرأـ يجد نفسه أمام تحقيق صحفي، فاقد لكل المقومات الجمالية للنص الأدبي، وهذا يعني أن النص جاء خاليا من الصور المرتبطة بالخيال الفني الإبداعي ، الذي يتجاوز حسية الاصطناع على خاصية التجريد، و التي يقوم عليها المتخيل وما يحمله في فضائه الدلالي الداخلي، ومن هنا نستخلص أن المتخيل هو الكتابة والنص و الفضاء في آن واحد، و التأرجح بين الواقع و الممكن، و المراوحة بين الواقعي و المفترض.

تحية للكاتب و لجريدة المسار على النشر و التوثيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات