إقتصاد

تحدي الرقمنة في الجزائر: مسارات وتحديات

الجمهورية الجديدة تقفز على مخاطر كوفيد19

ما إن تجاوزت الجزائر فراغا دستوريا كان يخيم على المشهد العام بعدما اختارت مسارا مؤسساتيا تكلل بانتخابات رئاسية لافتة في الـ12 ديسمبر 2019، حتى اصطدمت بوباء عالمي آخذ في التمدد والانتشار، وما تزال آثاره ماثلة للعيان، وسط استمرار المخاوف والتحديات.

ويجمع خبراء ومسؤولون أن هذه الأزمة الصحية كانت درسًا قاسيًا على الجزائر، التي تأخرت عن وضع أسس التحول الرقمي، وهي على كلٍّ وجدت نفسها مجبرة على مواكبة هذه المتغيرات.

وحسب الخبير الاقتصادي والمختص في المؤسسات الناشئة، فرحات حميدة فإن الأزمة الصحية ” كوفيد 19″ دفعت الجزائر إلى إعادة النظر في الأنماط العادية للشغل والتحول نحو العمل عن بُعد، والطب عن بُعد، والإدارة الرقمية، للحد من وتيرة تنقل المواطنين.

الجائحة والتعليم عن بعد في ظل الابتعاد

بعد قرار إغلاق جميع المدارس والمعاهد والكليات، حرصت الجزائر على ضمان استمرار التعليم عن بُعد، الأمر الذي شجعته الوزارة الوصية بدعوة هيئة التدريس إلى الانخراط في تسجيل دروس على الإنترنت.

وقد بادر عدد من الأساتذة من مختلف المستويات التعليمية إلى مشاركة حصص دراسية مسجلة على موقع « يوتيوب » لإتاحتها للتلاميذ والطلبة، لكن رغم ذلك يبقى الالتزام ومتابعة الدروس أكبر تحد يواجه التعليم عن بعد.

وقال واجعوط إنّ “عملية بث حصص التعليم تجاوزت 10 ملايين مشاهدة حسب إحصاء منصة اليوتيوب”.

وأضاف أنّ ” الجهود لمجابهة انقطاع التعليم متواصلة ووجب تفعيل البرنامج وتوسيعه ليشمل الإذاعات المحلية، خاصة لفئة التلاميذ الذين لا يملكون وسائل التكنولوجيا والاتصال”.

تؤكد الأرقام المعلنة أهمية هذه التكنولوجيا في الحد من خسائر توقف الدراسة، رغم ما يمكن تسجيله من ملاحظات كثيرة، مشيرا إلى أنه مند إحداث البوابة الإلكترونية « http://www.onefd.edu.dz/» لتنزيل عملية التعليم عن بعد، بلغ معدل المستعملين لهذه المنصة ما يفوق 500 ألف مستعمل(ة) يوميا.

وقال البرلماني والنقابي عن الاتحاد الوطني لعمال التربية والتكوين مسعود عمراوي إنّه” لا يمكن بأي حال من الأحوال تعويض المعلّم الذي يلقن التلاميذ داخل القسم بمنصة افتراضية”.

وأضاف عمراوي “يبقى التعليم عن بُعد من الحلول التي يتوجب على الجزائر إيلاءها الاهتمام اللازم واعتمادها سواء خلال الأوقات الاستثنائية، مثل ما يحدث حاليا مع أزمة كورونا، أو في الوضع الطبيعي العادي، إلى جانب التعليم الحضوري.

ورغم أن الحكم على تجربة التعليم عن بُعد أمر صعب للغاية في ظل عدم وجود مؤشرات إحصائية، إلا أن اعتمادها من قبل وزارة التربية الوطنية سيمكن من بناء تجارب عليها تكون ناجحة في المستقبل.

رقمنة الخدمات الطبية تساهم في إنقاذ المرضى

بالإضافة إلى التعليم، تجلت الرقمنة أيضاً في قطاع الصحة. وإذا كان التطبيب عن بُعد لم يطبق بَعد في الجزائر ، فإن المعلومات الصحية المنشورة على الإنترنت ارتفعت وتيرتها بشكل كبير، وهو ما أدى إلى ترويج المعطيات الصحيحة، وبالتالي تحقيق التوعية والتحسيس لدى المواطن.

كما لجأ عدد من الأطباء إلى إطلاق حصص أسئلة وأجوبة مباشرة مع الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي لتبديد المخاوف حول تفشي فيروس كورونا المستجد وكيفية التعامل مع الحالات المشتبه فيها في حالة ظهور الأعراض، فيما بادرت مصحات إلى إجراء تشخيص مباشر عن بُعد للذين يعانون أمراضاً خفيفة لتفادي التنقل خارج المنازل.

كما عمل مهندسون على تطوير برامج إلكترونية لرقمنة قطاع الصحة وتحدثوا عن نجاحهم في تطوير برامج من شأنها إحداث ثورة في قطاع الصحة بالجزائر وذلك من خلال سماحها برقمنة كامل القطاع وهو ما سيسمح في ربح الكثير من الجهد والوقت سواء بالنسبة للأطباء، المرضى أو الإداريين.

تمكن مهندسون في مكتب الدراسات المختص في الاستشارة والتطوير في الإعلام الآلي “خدمة تيك” الذي يتخذ من ولاية عنابة مقرا له من تطوير عدد من البرامج الإلكترونية الخاصة بقطاع الصحة وذلك في إطار سعيهم للمساهمة في تقديم يد العون في تطوير هذا القطاع الحساس الذي أعلن رئيس الجمهورية عن إحداث تغيير جذري فيه على جميع الأصعدة ومن بينها إدخال الرقمنة، حيث أوضح مدير المكتب أنهم أطلقوا قبل حوالي شهر مارس الماضي تطبيق على الهواتف الذكية خاص بالمنصة الصحية “ديزاد دوك” التي فازت سنة 2016 وهي سنة إطلاقها بجائزة أفضل موقع إلكتروني صحي في الجزائر وذلك خلال تظاهرة “ألجيريا ويب أواردس”، حيث يمكن من خلال هذه المنصة حجز موعد عند أي طبيب عبر الإنترنت دون الحاجة للتنقل إليه وتلقي تنبيه عبر رسالة نصية قصيرة لتذكير المريض بالموعد عند اقتراب وصوله ورسالة في حال قيام الطبيب بتأجيل الموعد أو إلغاءه وكل ذلك مجانا، ووفقا للمتحدث فإن استخدام المرضى وذويهم لهذه المنصة تضاعف منذ بداية أزمة وباء كورونا، بعد أن مكنتهم المنصة من التواصل مع الأطباء دون الحاجة للتنقل لهم، كما أوضح مدير المكتب بالقول: “التحديثات القادمة للتطبيق سيتضمن الكثير من الإضافات الهامة والتي ستسهل عمل الأطباء وتخلص المرضى من عدة متاعب”.

الرقمنة في خدمة الثقافة

قامت وزارة الثقافة منذ 11 مارس الماضي بإلغاء جميع النشاطات والتظاهرات الثقافية في جميع هياكلها عبر التراب الجزائري أين اتخذت السلطات العمومية إجراءات قوية في إطار الحجر الصحي الجزئي وحتى الشامل وهذا في مواجهة هذا الوباء.

وبعد تأجيل المهرجان الوطني للمسرح المحترف قام المسرح الوطني الجزائري محي الدين باشطارزي والعديد من المسارح الجهوية بعرض أعمالهم المسرحية الأخيرة عبر الشبكة مع برمجة فعاليات يومية لصالح الأطفال الذين توقفت دراستهم بعد غلق المؤسسات التعليمية.

كما تم أيضا تنظيم لقاءات ونقاشات افتراضية ومحاضرات وورشات تكوينية في المواقع الإلكترونية وصفحات الفايسبوك التابعة لمختلف هذه المسارح.

وأما الموسيقى التي كانت أول فن يعتمد البث الإلكتروني في ظل الوباء فقد اعتمد كثير من الفنانين على تنظيم عروض مباشرة عبر صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي في حين أن أوبرا الجزائر برمجت العديد من الحفلات المسجلة، وهذا إضافة إلى العدد الهائل من الانتاجات الموسيقية المتوفرة على الشبكة.

وقد قام أيضا العديد من المخرجين والمنتجين بعرض أفلامهم ووثائقياتهم على النت نتيجة الطلب الكبير لمحبي الفن السابع وبعضها لم يعرض إلا نادرا أمام الجمهور على غرار “بابيشا” لمونية مدور و”باركور” لفاطمة الزهرا ء زعموم.

كما قامت بعض نوادي السينما برقمنة نشاطاتها من خلال تنظيم عروض سينمائية متبوعة بنقاش على النت.

وأما متحف السينما للجزائر العاصمة (السينماتيك) فقد قام أيضا بتنظيم دورة عروض أفلام على الشبكة تكريما للفنان الراحل سيدعلي كويرات.

الحاجة إلى ثقافة رقمية فعالة

دفعت الأزمة الصحية التي تمر منها الجزائر، على غرار بلدان المعمور، الحكومة أيضاً إلى الاشتغال رقمياً، وكان ذلك جلياً من خلال لجوء عدد من القطاعات الحكومية إلى رفع مستوى هذا التعامل من قبيل الجمارك، ومسطرة المشاركة في الطلبات العمومية، والتصريح بالتوقف عن العمل مؤقتاً لدى الضمان الاجتماعي.

أوضح وزير التجارة كمال رزيق أن المنظومة الرقمية المجسدة في قطاعه تهدف إلى خلق بنك معلومات لتشخيص كل الفاعلين في ميادين انتاج وتوزيع المواد واسعة الإستهلاك، وتحديد القدرات الإنتاجية وتنظيم نطاق التوزيع، وضمان متابعة دورية لمستويات التخزين على المستوى الوطني بالنسبة للقطاعين العام والخاص.

وعلى مستوى اجتماعات مجلس الوزراء ، عبر تقنية التواصل المرئي عن بعد ، مضيفا أن الأمر امتد أيضا، للهيئات المدنية والسياسية، حيث تم تعويض التأطير المباشر بالتواصل عن بعد عن طريق استخدام تقنية البث المباشر، وعقد الاجتماعات بتقنية Audio/Vidéo Conférence التي تتيحها عدد من التطبيقات. مثل زوومZoom و مكرسوفت تيمزMicrosoft Teams.

جدير بالذكر أن لدى الجزائر برنامجا يحمل اسم « الحكومة الإلكترونية »، يندرج ضمن استراتيجية « الجزائر الرقمية » الذي اعتمدت سنة 2013، لكن تطبيقه على أرض الواقع لم يعرف النجاح الكبير بفعل استمرار عدد من الخدمات المعتمدة على الورق والحضور الجسدي للمرتفقين.

وفي هذا الإطار، أظهرت جائحة كورونا الأهمية الملحة للتكنولوجيات الرقمية للإدارة والاقتصاد والمجتمع، وأن الجزائر كان على استعداد تام للمضّي قدماً في هذا الطريق، وما كان ينقص فقط هو الالتفات للأهمية البالغة لهذا المجال والعمل على تسريع وتيرة التحول الرقمي في كل مجال الخدمات وتلبية حاجيات المواطنين الإدارية والتربوية والمجتمعية وحتى الاقتصادية ».

ولم تفرض جائحة كورونا على الحكومة فقط أن تتكيف مع وضع الحجر الصحي للمواطنين، بل حتى معظم الشركات اعتمدت العمل عن بُعد وإن لم تكن لديها أي استراتيجية بهذا الخصوص، ما يعني أنها كانت مضطرة فقط لاعتماد هذا النمط من العمل لضمان الاستمرارية ما أمكن.

إذا تأملنا في بعض الأرقام المتعلقة بحصيلة التعامل عبر الانترنيت ومن خلال تكنولوجيا الاتصال عن بعد، نجد أن أغلب الإدارات والمؤسسات استطاعت تدبير أمورها بشكل حيوي عن بعد، ودون حاجة إلى عقد اجتماعات مباشرة مكلفة وقتا وجهدا ومالا ».

إن الإمكانات التي تُوفّرها تكنولوجيا الاتصال عن بعد، والفرص التي تعطيها للمواطنين وللدولة، « هائلة جدا »، خاصة وأن العائد الاقتصادي والمالي لهذه التكنولوجيا، من شأنه المساهمة بشكل مقدر في تحسين الأداء وترشيد الإنفاق العمومي.

وعليه الاعتماد على الرقمنة والاستثمار في كل ما يتعلق بأنشطتها وخدماتها خلال فترة أزمة كورونا، يعد أرضية خصبة لما بعد الجائحة، من أجل اعتماد التحول الرقمي على صعيد المؤسسات والهيئات والأفراد وجعل العالم الرقمي أساساً في كل الخطوات.
وهو ما حرص عليه الرئيس تبون في اجتماعاته الدورية مع الوزراء و تأكيده على ضرورة الاسراع في رقمنة كل القطاعات الاقتصادية و المالية لإزالة “الضبابية المفتعلة” في هذه القطاعات و تكريس الشفافية قصد النهوض بالاقتصاد الوطني.

للرقمنة انعكاسات ومزايا مهمة، من قبيل سهولة ونجاعة التواصل حيث يمكن للمرء أن يحضر اجتماعاته المبرمجة من بيته دون تكلف عناء التنقل إلى مقر الاجتماع، فضلا عن اختصار للتكلفة والجهد وتوفير للوقت، حيث يمكن للشخص قضاء أغراضه الإدارية وهو جالس ببيته أو بمقر عمله دون تكبد التكاليف المادية والمعنوية من أجل التنقل إلى مقر الإدارات.

ومن ضمن هذه المزايا، انخفاض التکلفة التشغیلیة لمؤسسات المعلومات الرقمیة، مقارنة مع مؤسسات المعلومات التقلیدیة، ومواکبة التطورات الحاصلة في مجال حفظ المعلومات وتنظیمها واسترجاعها وبثها، إلى جانب حل مشکلة الحیز المکاني داخل مؤسسات المعلومات، خصوصا مع تضخم وتنوع مصادر المعلومات، وکثرة الباحثین وإنتاجهم العلمي، وهو یساعد في تقدیم معلومات وخدمات ذات جودة عالیة للمستفیدین.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات