ثقافـي

“برديات من وحي الشتاء”..الحرقة نحو الضفة الأخرى

صدر عن دار الأنير للنشر والتوزيع، طبعتين من كتاب “برديات من وحي الشتاء”، للكاتب الإعلامي بوعكاز خالد، حيث صدرت الطبعة الأولى شهر جويلية الماضي، ونظرا للإقبال للرواج الكبير الذي عرفته الطبعة الأولى ونفاذ كل النسخ في ظرف قياسي، تم إصدار طبعة ثانية منقحة ومزيدة وحاليا في الأسواق.

تتمحور فصول الكتاب حول إشكالية الإنسان القاطن غربي سكيكدة في ظل الجغرافيا الصعبة والظروف الطبيعية القاهرة، إلى جانب غياب تام لمظاهر التنمية، ورغم ذلك لا يزال الانسان هناك مقاومًا مصرًا على ممارسة “هبة اللّه” للبشر هي الحياة، متحديا تلك الظروف التي صنعت منه إنسانا آخر، كأن الطبيعة قد صقلته ببعض قسوتها.

الكتاب الذي يحتوي على 29 نصا، رغم اختلاف العناوين، إلا أن القاسم المشترك بينها هو تسليط الضوء على الكثير من السلوكيات والممارسات التي يختص بها إنسان جبال القل، ذلك الإنسان الذي شهد في فترة ما حركية غيرت مجرى التاريخ وغيرت مجرى حياته، والحديث هنا عن دوره في ثورة التحرير ضد المستعمر الفرنسي، إذ لا يزال الإنسان هنا معتزا ومفتخرا ببطولاته الخالدة.

ومن بين الاحداث التي تعتبر متغيرا أساسيا في العوامل النفسية لهذا الإنسان، هي العشرية السوداء وتداعياتها، إذ يعرج الكاتب على التحولات التي حصلت أثناء العشرية السوداء في المنطقة، ويذكر تداعياتها عندما يشير إلى ظاهرة الهجرة أو النزوح الريفي الذي مارسته الساكنة هروبا من واقع أليم، رغم تعلقهم بأرضهم وافتخارهم واعتزازهم بانتمائهم.

“عندما يرمي بك القدر في مكان لا ينتمي إلى الوطن إلا من خلال الجغرافيا وبعض الشيء من التاريخ…، عندما يسلمك القدر إلى أرض تجمع في طياتها ما شاء الله ان تجمع من مظاهر البؤس والحرمان…، وتظن أن الواقع محتوم فلا سبيل إلى التمرد…، عندها يظهر خيط أمل وخيط استسلام وبينهما الحياة بكل تفاصيلها…، الكثير من تتبع خيط الاستسلام حتى لف به…، وبعض لا يزال في طريق خيط الأمل…، والحوادث كثيرة وأكثرها تلك التي نرى فيها حبال الموت لأول مرة…، تلك ولادة ثانية.

تحولات طفت إلى السطح في العشريتين الاخيرتين، يمكن تمييزها بوضوح، حيث أن الكثير من السلوكات التي لم تكن موجودة ضمن التفاعل المجتمعي من قبل، أصبحت اليوم سمة بارزة تميز السكان في هذا الاقليم رغم الكثير من الصعوبات، وغياب مقومات العيش، فالعودة إلى الأرض من جديد كانت لها طقوسها الخاصة بالنسبة لهم، لكن بشكل أكثر حداثي.

ولا تخلو نصوص الكتاب وفقراته من العاطفة والإشارة إليها، ولعل الكاتب أبرز من خلال تطرقه إلى هذا الموضوع الذي طالما اعتبر من الطابوهات ويتسم بالكثير من الخصوصية، يريد أن يبرز الشكل الحداثي الذي طرأ على البناء المجتمعي ما بعد العشرية السوداء، كما يوضح الكاتب أنه بالرغم من قساوة العيش إلا أن قلب الفتى سيعرف الحب ولا سبيل إلى التطلع لحياة أفضل في هذه الأرض إلا من خلال الحب.

ولقد يكون الحب دافعا دائما، كما قد يكون محفز هكذا يقول الكاتب في بعض الفصول، والحب والحرب سيان، لا يصمد فيهما إلا الرجال، قد تكون هذه رسالة واضحة يوجهها الكاتب للقروية التي جاءت في إحدى نصوص الكتاب، كما يصف الكاتب في لحظة تتصف بالكثير من العاطفة جلسات العائلات الريفية حول الموقد شتاءً وتلك الطقوس التي لا يعرفها إلا من عاشها.

ظاهرة أخرى، تطرق لها الكاتب هي الهجرة غير الشرعية أو “الحرقة” كما تعرف في الأوساط، وحركة التمرد الانسانية على الواقع والظروف التي عرفتها المنطقة في الآونة الأخيرة، يقول الكاتب، “غير أن الكثير منهم قرر التمرد منهم من خرج يجوب شمال الوطن بجنوبه وغربه بشرقه، يستقر به المقام حيث الأمن والغذاء ومنهم من ركب قوارب الموت إلى الضفة الأخرى بحثا عن سبل أفضل للعيش، حتى أصبحت شواطئها الصخرية قبلة للحراقة من مختلف مناطق الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات